يوم عاشوراء ليس مجرد مناسبة زمنية عابرة، وإنما هو درسٌ عقدي وتربوي وحضاري عميق؛ إذ يذكر المؤمن بسنة الله في نصرة الحق وأهله، وإهلاك الطغيان وأربابه، ويغرس في النفس معاني الثبات والصبر واليقين في وعد الله - تعالى.
يوم عاشوراء ليس مجرد مناسبة زمنية عابرة، وإنما هو درسٌ عقدي وتربوي وحضاري عميق؛ إذ يذكر المؤمن بسنة الله في نصرة الحق وأهله، وإهلاك الطغيان وأربابه، ويغرس في النفس معاني الثبات والصبر واليقين في وعد الله - تعالى.
ثبت في الصحيحين: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ وَأَغْرَقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ، فَقَالَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ» فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ» [أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء، رقم: ١١٣٠].
وهذا الحديث يكشف عن حقيقة كبرى، وهي أن الإسلام جاء مصدقًا للأنبياء جميعًا، مؤكدًا لوحدة الرسالة الإلهية، وأن الأنبياء جميعًا دعوا إلى التوحيد والحق والخير.
ومن هنا فإن صيام عاشوراء يمثل احتفاءً بانتصار الإيمان على الكفر، والعدل على الظلم، والحرية على الاستبداد، وهي معانٍ تتجاوز حدود الزمان والمكان لتصبح قيمًا إنسانية خالدة.
جاء في صحيح الإمام مسلم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» [أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء، رقم: ١١٦٢].
وهذا الحديث من أعظم النصوص الدالة على سعة رحمة الله - تعالى - وفضله على عباده؛ إذ جعل سبحانه صيام يوم واحد سببًا لمغفرة ذنوب سنة كاملة، وقد بين العلماء أن المراد بذلك تكفير صغائر الذنوب، أما الكبائر فإنها تحتاج إلى توبة خاصة مستوفية لشروطها، وهو ما قرره الإمام النووي وغيره من أئمة الشرح والفقه.
كما ثبت عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: "مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا اليَوْمَ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ" [فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر، ج ٤ ص ٧٧٦]، وهذا يدل على عظيم منزلة هذا اليوم ورفيع مكانته في السنة النبوية.
لما قيل للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم: إن اليهود تعظم يوم عاشوراء وتصومه، قال: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» [أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء، رقم: ١١٦٥].
ومن هنا استحب جمهور العلماء صيام التاسع مع العاشر تحقيقًا لمخالفة أهل الكتاب، وهي قاعدة شرعية جليلة تؤكد استقلال الشخصية الإسلامية وتميزها.
وقد ذكر الإمام ابن حجر العسقلاني والإمام النووي وغيرهما [فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر، ج ٤ ص ٧٧٦] أن الحكمة من صيام التاسع تتلخص في:
ذكر العلماء أن لصيام عاشوراء مراتب متعددة:
ومن أعظم الدروس المستفادة من عاشوراء أن النجاة لا تكون بكثرة العدد والعدة فحسب، وإنما بالثبات على الحق والثقة بالله - تعالى - ففي قصة موسى - عليه السلام - يتجلى معنى اليقين الكامل حين قال الله - تعالى - على لسان نبيه الكريم: ﴿كَلَّاۤ إِنَّ مَعِیَ رَبِّی سَیَهۡدِینِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، وهذا اليقين هو الذي يصنع الإنسان القادر على مواجهة التحديات، ويغرس في النفوس روح الأمل والعمل والبناء.
يبقى عاشوراء مدرسةً إيمانيةً متجددة، تتجلى فيها معاني الشكر والعبودية والاقتداء بالأنبياء، ويظل صيامه من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، راجيًا رحمته ومغفرته.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا لصيامه وقيامه، وأن يجعلنا من عباده المقبولين، وأن يرزقنا الفقه في دينه، وحسن الاتباع لسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم.
يشغل أنبياء الله ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ المحل الأسمى، والأرفع في قلوب المسلمين جميعًا
في زحام الدنيا، وتقلّب الأيام، تأتي بعض المناسبات ليست كغيرها، كأنها رسائل من السماء تهمس للقلوب
إن يوم عاشوراء، العاشر من محرم ليوم من أيام الله تعالى الخالدة ما بقي الدهر، فهو ليس مجرد تاريخ في التقويم الهجري
إذا تأملنا في حركة الزمن، لوجدنا أن الأيام ليست على وتيرة واحدة