Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الغيبة حين نأكل لحوم الناس بالكلمات

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

الغيبة حين نأكل لحوم الناس بالكلمات

تخيّل أنك وقفت يوم القيامة، فرأيت جبالًا من حسناتك تختفي أمام عينيك، لا لأنك تركت الصلاة أو الصيام، ولكن لأن لسانك كان يأكل أعراض الناس، وتخيّل أن شخصًا كنت تذكر عيوبه في المجالس، أو تسخر منه في تعليق على مواقع التواصل، أو تعيد نشر مقطع يفضحه، يقف يوم القيامة؛ ليأخذ من حسناتك، حتى لا يبقى لك إلا الندم.

هذا أمرٌ يدعو إلى الدهشة؛ فذنبٌ لا يستغرق دقائق في الدنيا، قد تكون عواقبه من أثقل ما يلقاه العبد في الآخرة.

الغيبة: جريمة تبدأ بكلمة وتنتهي بجرحٍ لا يندمل

الغيبة ليست كلماتٍ عابرة تُقال ثم تُنسى، بل هي جريمة أخلاقية تمس كرامة الإنسان، وتفسد القلوب، وتمزق روابط المجتمع، وقد تؤدي كلمة واحدة إلى تشويه سمعة إنسان بريء، وحرمانه من حقوقه، وزرع الشك في نفوس الناس تجاهه.

وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي تضاعفت خطورة الغيبة؛ لأن الكلمة أصبحت تنتشر في لحظات وتصل إلى آلاف الأشخاص، ولهذا شدد الإسلام في تحريمها، وجعل أعراض المسلمين من أعظم الحرمات التي يجب صيانتها.

وصوَّر القرآن الكريم الغيبة بصورة تهز القلوب، فشبَّهها بأكل لحم الأخ ميتًا؛ تنفيرًا منها وتعظيمًا لخطرها، فالغيبة ليست اعتداءً على الأشخاص فحسب، بل هي - أيضًا - اعتداء على حقوق العباد، وتضييع للحسنات، وإفساد للعلاقات، وقد تلتئم آثار الجراح المادية مع مرور الزمن، لكن أثر الكلمة الجارحة قد يبقى في النفوس سنوات طويلة؛ ولذا كان حفظ اللسان، والتثبت قبل الكلام، وصيانة أعراض الناس من أعظم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام.

حقيقة الغيبة وخطورتها في ميزان الإسلام

جاء الإسلام ليحفظ للإنسان دينه ونفسه وماله وعقله وعرضه، ولذلك كانت الغيبة اعتداءً مباشرًا على عرض المسلم وكرامته، وقد سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فقال: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟» قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» [رواه مسلم برقم ٢٥٨٩- والسنن الكبرى للبيهقي برقم ١١٤٥٤] فليست الغيبة كذبًا فقط، بل قد تكون حديثًا صحيحًا، لكنه يذكر المسلم بما يكره في غيبته، ولذلك كانت أشد خطرًا مما يتصور كثير من الناس.

ولم يكتف القرآن بالنهي عنها، بل صوّرها بصورة لا يكاد القلب المؤمن يحتملها، فشبَّه المغتاب بمن يأكل لحم أخيه وهو ميت: حيث قال سبحانه: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱجۡتَنِبُوا۟ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمࣱۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا یَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَیُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن یَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِیهِ مَیۡتࣰا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [الحجرات: ١٢]، وفي هذا التشبيه دلالات عظيمة؛ فالميت لا يستطيع الدفاع عن نفسه، وكذلك الغائب، وأكل لحم الإنسان أمر تمجه الفطرة، فكذلك ينبغي أن تمج النفوس المؤمنة الغيبة، ومن رحمة الله بعباده أن جعل باب التوبة مفتوحًا، لكنه قرن النهي بقوله: ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۚ﴾؛ لأن حفظ اللسان لا يكون إلا بمراقبة الله، واستحضار أن كل كلمة مسجلة، كما قال تعالى: ﴿مَّا یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ﴾ [ق: ١٨].

ولم تكن خطورة الغيبة مقصورة على الإثم، بل إنها سبب في ضياع الحسنات؛ ففي الحديث الصحيح عن المفلس، أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الإنسان قد يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، لكنه شتم هذا، وقذف هذا، وظلم هذا، فتؤخذ حسناته وتعطى لمن ظلمهم، حتى إذا فنيت حسناته طُرح عليه من سيئاتهم ثم طرح في النار، ولهذا كان السلف يعتبرون أعراض المسلمين من أعظم الأمانات، وكانوا يخافون من كلمة تخرج في لحظة فتفسد عليهم أعمال سنين طويلة.

الغيبة في واقعنا المعاصر.. من المجالس إلى وسائل التواصل

إذا كانت الغيبة في الماضي لا تتجاوز حدود مجلس واحد، فإنها اليوم قد تنتشر في دقائق إلى آلاف الناس عبر شاشة هاتف صغيرة، لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي بابًا واسعًا لانتشار الغيبة، فكم من تعليق ساخر، أو صورة متداولة، أو مقطع فيديو، أو رسالة في مجموعة خاصة، كان سببًا في انتقاص مسلم، أو كشف عيوبه، أو السخرية منه أمام الناس.

وللأسف، يظن بعض الناس أن الغيبة لا تكون إلا بالكلام المباشر، بينما تشمل كل وسيلة يتحقق بها ذكر الإنسان بما يكره، سواء كان ذلك بالكتابة، أو الإشارة، أو نشر الصور، أو إعادة إرسال المقاطع التي تفضحه، أو التلميحات التي يعرف الناس صاحبها.

ومن الأسباب التي ساعدت على انتشار الغيبة في عصرنا: الفراغ، وحب الظهور، والرغبة في إضحاك الآخرين، والحسد، والمنافسة غير الشريفة، وضعف استشعار مراقبة الله.

 بل إن هذا امرض صار مهنة، حيث اعتاد بعض صناع المحتوى بناء شهرتهم على تتبع أخطاء الناس، والسخرية منهم، وتحويل زلاتهم إلى مادة يتداولها الملايين.

والأخطر من ذلك أن الغيبة الرقمية قد يبقى أثرها سنوات طويلة؛ فالكلمة التي كانت تنتهي بانتهاء المجلس أصبحت محفوظة في الصفحات، يعاد نشرها وتتكرر مشاركتها؛ فيتجدد الإثم كلما تداولها الناس، وقد لا يستطيع صاحبها بعد ذلك حذف آثارها من كل مكان، ولذلك ينبغي للمسلم قبل أن يضغط زر إرسال أو مشاركة أن يسأل نفسه: هل أرضى أن ألقى الله بهذه الكلمة؟ وهل أقبل أن يفعل أحد بي مثلما أفعل بغيري؟ فإذا كان الجواب لا، فليتذكر قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» [متفق عليه رواه البخاري برقم ٦١١٠- ورواه مسلم برقم٧٤].

آثار الغيبة على الفرد والمجتمع

قد يظن بعض الناس أن الغيبة لا تتجاوز كونها كلمات تُقال في مجلس ثم تنتهي، لكنها في الحقيقة من أخطر الآفات التي تهدم الإنسان من داخله، وتمزق المجتمع من حوله، فما من غيبةٍ إلا وتترك أثرًا في قلب قائلها، أو نفس من قيلت فيه، أو بيئة المجتمع الذي انتشرت فيه.

ومن أخطر آثارها ما يأتي:

  • الغيبة تُذهب الحسنات وتورث الإفلاس يوم القيامة: فأعظم ما يخسره المغتاب ليس احترام الناس له، وإنما حسناته التي تعب في جمعها، فقد يصلي ويصوم ويتصدق، ثم يأتي يوم القيامة ليجد أن كثيرًا من أعماله قد انتقلت إلى من اغتابهم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ قَالَ: «فَإِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَصِيَامٍ، قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُقْضَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» [رواه الترمذي في سننه برقم ٢٦٣- وأحمد في مسنده برقم ٨٤١٤] فأي خسارة أعظم من أن يجتهد الإنسان سنوات في الطاعات، ثم يوزع ثوابها على الناس بسبب كلمات لم يملك المغتاب كتمانها ولم يحفظ لسانه عنها؟
  • الغيبة تفسد القلب وتشغل الإنسان بعيوب غيره: إن المؤمن الصادق مشغول بإصلاح نفسه، أما من اعتاد الغيبة فإنه ينصرف عن عيوبه إلى تتبع عيوب الآخرين، فيقسو قلبه، ويضعف إحساسه بالذنب، ويصبح الحديث عن الناس عادة لا يشعر بقبحها، قال بكر بن عبد الله المزني رحمه الله: "إذا رأيتم الرجل موكلًا بعيوب الناس ناسيًا لعيبه، فاعلموا أنه قد مُكر به"، [صفة الصفوة لابن الجوزي ج٢ ص ١٤٧- البداية والنهاية لابن كثير ج٩ ص٢٥٦] ومن أعظم الخسائر أن يعتاد الإنسان الغيبة حتى تصبح جزءًا من حديثه اليومي، فلا يكاد يجلس مجلسًا إلا ويخرج منه وقد انتهك عرض هذا أو ذاك.
  • الغيبة تهدم الثقة وتمزق العلاقات: لا تقتصر آثار الغيبة على الفرد، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع كله؛ فهي تزرع الشك بين الناس، وتفسد الصداقات، وتقطع الأرحام، وتثير العداوات، وتجعل الإنسان يخشى أن يكون حديث المجالس إذا غاب، وكم من أسرة تفرقت بسبب كلمة نُقلت، وكم من صداقة انتهت بسبب غيبة، وكم من موظف أو طالب أو داعية فقد مكانته؛ لأن أحدهم لم يحفظ لسانه؛ ولهذا جعل الإسلام حماية أعراض المسلمين من أعظم القربات؛ لأن المجتمع الذي يأمن فيه الناس على سمعتهم هو مجتمع تسوده المودة والثقة والاستقرار.
  • الغيبة جرحٌ قد يلتئم... لكنه لا يُنسى: قد ينسى الإنسان المال الذي خسره، لكنه كثيرًا ما يتذكر الكلمة التي جرحت كرامته، وربما بقي أثرها في نفسه سنوات طويلة؛ ولهذا كان السلف شديدي الورع في أعراض الناس، ومن أروع المواقف ما رُوي عن الإمام الحسن البصري -رحمه الله - أن رجلًا قال له: إن فلانًا قد اغتابك، فأرسل إليه طبقًا من الرطب، وقال "بلغني أنك أهديت إليَّ حسناتك، فأحببت أن أكافئك عليها"، إنها تربية إيمانية عظيمة؛ فقد أدرك الحسن البصري أن المغتاب هو أول الخاسرين؛ لأنه يهدي حسناته لمن اغتابه، بينما يظن أنه ينتقص من قدره.

هذا غيض من فيض من الآثار السيئة لهذه الظاهرة اللعينة، التي تهدد الفرد، ويعود وبالها على المجتمع.

 إن المجتمع الذي تنتشر فيه الغيبة يفقد الأمن الاجتماعي، ويضعف فيه حسن الظن، وتختفي روح الأخوة التي دعا إليها الإسلام، أما المجتمع الذي يحفظ أفراده ألسنتهم ويستر بعضهم بعضًا، فهو مجتمع تسوده الطمأنينة، وتترسخ فيه الثقة، وتبقى روابطه أقوى من أن تهدمها كلمة عابرة.

الخلاصة

الغيبة ليست كلماتٍ عابرة، بل هي اعتداءٌ على أعراض المسلمين، وسببٌ لضياع الحسنات وتمزيق العلاقات؛ ولذلك شبَّهها القرآن بأكل لحم الأخ الميت تنفيرًا منها، وفي زمنٍ تنتشر فيه الكلمة عبر وسائل التواصل، أصبح حفظ اللسان والستر على الناس من أعظم القربات، فالسعيد من شغل لسانه بذكر الله وإصلاح نفسه، وترك أعراض الناس سالمةً من لسانه وقلمه.

موضوعات ذات صلة

الغيبة جريمة أخلاقية عظيمة، حرمها الإسلام، وشبهها بأكل لحم الميت، فاحذرها وتب إلى الله.

الكلمة تهدم العلاقات أو تبنيها، وحفظ اللسان عبادة تنجي المسلم من الإثم والعذاب.

الأخلاق أساس سلوك الإنسان، وبها ارتقت الحضارات، وأفرد لها الإسلام علمًا ومكانةً عظيمة.

الإصلاح نهضة حضارية وتغيير مستمر يوازن بين الأصالة والتجديد.

موضوعات مختارة