السنن والآداب في العيد ليست مجرد عادات؛ بل هي
هدي نبوي متكامل، يجعل من يوم العيد لوحة إيمانية نابضة بالحياة، ومن هذه السنن أن
يغتسل المسلم صباح العيد ويتطيب ويلبس أحسن ما عنده من الثياب النظيفة، إظهارًا
لنعمة الله وفرحًا بهذا اليوم المبارك، فقد كان لسيدنا النبي - صلى الله عليه وآله
وسلم - جبة يلبسها للعيدين والجمعة كما ورد في بعض الآثار.
ومن
السنن المهمة التي ينبغي الانتباه إليها مسألة الأكل في العيد، فسنة سيدنا النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - تختلف بين عيد الفطر وعيد الأضحى؛ ففي عيد الفطر كان لا
يخرج حتى يطعم، أما في عيد الأضحى فكان لا يطعم حتى يصلي، ثم يرجع فيأكل من أضحيته
إن كان مضحيًّا، فقد أخرج الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم: "كانَ
لا يَخرجُ يومَ الفِطْر حتَّى يَطْعَمَ، ولا يَطْعَمَ يومَ الأَضْحَى حتَّى يُصلِّي"،
وجاء في مسند الإمام أحمد: "ولا يأكلُ - صلى الله عليه وآله وسلم - يومَ الأَضْحى
حتَّى يَرْجِعَ فيأكل من أُضْحِيَته"، والحكمة في ذلك أن يأكل المسلم في
الفطر إظهارًا لانتهاء الصيام، وفي الأضحى ينتظر حتى يأكل من أضحيته تطييبًا للنفس
وتبركًا بها.
ومن السنن المستحبة أن يخرج المسلم إلى صلاة
العيد ماشيًا إن تيسر ذلك، فقد قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: "من
السنة أن تخرج إلى العيد ماشيًا" [أخرجه الترمذي]، والمشي إلى العيد فيه
إظهار للشعيرة وإكثار من التكبير والذكر، ويزداد أجر الماشي بكل خطوة يخطوها، كما
يستحب أن يخرج المصلي من طريق ويعود من طريق آخر، فقد كان النبي - صلى الله عليه
وآله وسلم - إذا كان يوم عيد خالف الطريق، كما ثبت في صحيح البخاري عن جابر رضي
الله عنه، والحكمة في ذلك إظهار شعائر الإسلام في أكثر من مكان، والتوسعة على
الناس، والزيادة في ذكر الله.
وأما التكبير في عيد الأضحى،
فله وقتان: تكبير مطلق يبدأ من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، ويكون في كل
وقت ليلًا ونهارًا في البيوت والأسواق والطرقات، وتكبير مقيد يكون أعقاب الصلوات
المفروضة من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، وروي عن علي وابن عباس - رضي
الله عنهما - أنهما كانا يكبران من صلاة الغداة يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام
التشريق. وقد وردت عدة صيغ للتكبير عن الصحابة والتابعين، وأشهرها صيغتان:
الصيغة الأولى المروية عن ابن مسعود - رضي الله عنه: "الله أكبر، الله أكبر، لا
إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد"، والصيغة الثانية المعروفة
عند الحنفية: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر،
الله أكبر، ولله الحمد". والصيغة المستحبة الجامعة التي تجمع بين التحميد
والتهليل والصلاة على النبي: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا
الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا،
وسبحان الله بكرةً وأصيلًا، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز
جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين
ولو كره الكافرون، اللهم صلِّ على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب
سيدنا محمد، وعلى أنصار سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذُرّيّة سيدنا
محمد وسلم تسليمًا كثيرًا".
وقد ورد سؤال إلى دار الإفتاء المصرية عن
حكم التكبير بهذه الصيغة المتضمنة للصلاة على النبي وآله وأصحابه وأزواجه وذريته،
فكان الجواب أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - هو مفتاح كل خير للأمة، سبب للهداية
ولِمعرفة طريق الله - سبحانه وتعالى - ولذلك أمر الحق - سبحانه وتعالى - بالصلاة على
النبي الكريم في كتابه الكريم بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ
عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا
تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وهذه الآية أمر بالصلاة على النبي مطلقًا دون
تحديد وقت، فهي واجبة على المسلم في كل وقت وحين متى سمع اسمه - صلى الله عليه وآله
وسلم - وكما أنه يجب أن يكون ذلك في صلاة العيدين، لأنه - صلى الله عليه وآله وسلم - هو
الذي سن العيدين الأضحى والفطر، وكيفية الصلاة عليه كما ورد في السنة أنه
كان يعلم أصحابه الصلاة عليه فقال عندما نزلت الآية: «قولوا: اللهم صل على
محمد وعلى آل محمد» [متفق عليه]، فالصلاة بهذه الصيغة لا شيء فيها، وهو
دعاء، ومن حق الشخص أن يدعو بما تطيب به نفسه.
أما آداب العيد،
فتشمل التهنئة بالعيد، وهي من الآداب الجميلة التي كان عليها الصحابة - رضوان الله
عليهم - فقد ثبت أنهم كانوا إذا التقوا يوم العيد قال بعضهم لبعض: "تقبل
الله منا ومنكم"، ولا بأس بقول "عيد مبارك" أو "كل
عام وأنتم بخير" أو أي عبارة طيبة فيها الدعاء والخير، فالمسألة واسعة
بإذن الله، ومن الآداب المهمة إظهار الفرح والسرور في العيد، فقد أذن الله لعباده
بذلك، قالت السيدة عائشة - رضي الله عنها: دخل عليَّ أبو بكر وعندي جاريتان تغنيان
أيام منى، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «دَعْهما، فإنَّ لكلِّ قومٍ عيدًا، وهذا
عيدُنا» [متفق عليه]، فعلى المسلم أن يفرح بفضل الله ورحمته، وأن يدخل السرور
على أهله وأولاده، ولكن في حدود الشرع، ومن أعظم الآداب صلة الأرحام، وقد
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أنْ يُبسَطَ له في رِزْقِه
ويُنْسَأ لهُ في أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَه»، وبعد أن استعرضنا السنن
والآداب التي تسبق الصلاة وتصاحبها، لا بد لنا من الحديث عن الخطبة التي تلي
الصلاة مباشرة، وأحكامها وكيفيتها.