Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

نبوءة النبي صلي الله عليه وسلم لسراقة بن مالك بسواري كسرى من الوعد إلى التحقق

الكاتب

هيئة التحرير

نبوءة النبي صلي الله عليه وسلم لسراقة بن مالك بسواري كسرى من الوعد إلى التحقق

تعد قصة سراقة بن مالك مع النبي - صلي الله عليه وسلم - واحدة من أبرز الشواهد التاريخية التي تُبرهن على صدق النبوة وعالمية الرسالة الإسلامية، ففي أشد ساعات الاستضعاف والملاحقة يوم الهجرة، وُلِد من رحم المعاناة وعدٌ غيبيّ تخطى حدود المنطق المادي؛ ليبشر بطيِّ صفحة كبرى إمبراطوريات الأرض، ولم تكن هذه النبوءة مجرد سدٍّ لرمق الطامعين، بل كانت ميثاقًا ربانيًا انتظرت الأقدار والفتوحات العسكرية تحققه عيانًا في عهد دولة الخلافة الراشدة.

وعدٌ نبويٌّ لسراقة بسواري كسرى في ذروة الاستضعاف

حينما خرج النبي - صلي الله عليه وسلم - وصاحبه أبو بكر الصديق في رحلة الهجرة، تعقبهما سراقة بن مالك طامعًا في جائزة قريش التي رصدتها لمن يأتي برسول الله حيًّا او ميتًا (مائة ناقة)، وعندما اقترب منهما ساخت(غاصت) قوائم فرسه في الأرض مرة بعد أخرى، فأيقن أن النبي - صلي الله عليه وسلم - ممنوع ومحمي بحفظ الله، فطلب الأمان، وفي تلك اللحظة الحرجة من ذروة الاستضعاف والملاحقة، نظر إليه النبي - صلي الله عليه وسلم - وقال له بعبارة ملؤها اليقين الغيبي: «كَيْفَ بِكَ إِذَا لَبِسْتَ سِوَارَيْ كِسْرَىٰ؟»، وقصة مطاردة سراقة وسوخ قوائم فرسه بالتفصيل [أخرجها الإمام البخاري في صحيحه ، حديث رقم ٣٩٠٦)، والإمام مسلم في صحيحه ، حديث رقم ٣٠١٠]، أما اللفظ الصريح الذي شافَهَ به النبي - صلي الله عليه وسلم - سراقة بالوعد الغيبي: «كَيْفَ بِكَ إِذَا لَبِسْتَ سِوَارَيْ كِسْرَىٰ؟»، فهو جوهر المعجزة التي تداولها علماء الرواية والسير، لتبين كيف يولد النصر والتمكين من رحم الاستضعاف والملاحقة في قلب الصحراء [وقد أخرج هذا اللفظ الصريح الحافظ الحاكم في المستدرك على الصحيحين ، حديث رقم ٤٢٣٦) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. كما وثقه الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (ج٧، ص٢٤٢)، والحافظ البيهقي في دلائل النبوة (ج٢، ص٤٨٨)، والإمام ابن كثير في البداية والنهاية (ج٣، ص٢١٨) في سياق معجزات الهجرة]

البعد الغيبي في وعد سراقة بسواري كسرى

يمثل هذا الوعد النبوي خرقًا كاملًا للمألوف وقوانين المادة؛ ففي اللحظة التي كان فيها النبي - صلي الله عليه وسلم - مطاردًا يبحث عن طريق يأمن فيه على حياته، كان يستشرف بالمستقبل زوال أعظم إمبراطورية في عصره وسقوط غنائمها في أيدي أصحابه، هذا اليقين الغيبي يبرهن على أن كلامه - صلي الله عليه وسلم - لم يكن مجرد تصبير أو مواساة عابرة لأعرابي في الصحراء، بل هو وحي إلهي صادق يرى ما وراء حجب الزمن، ويرسم خارطة طريق لانتشار الدين وعالمية الرسالة قبل أن تُبنى دولة الإسلام في المدينة، وقد نصّ الإمام الخطابي على أن هذا الحديث من أوضح أعلام النبوة، لأن النبي - صلي الله عليه وسلم - تكلّم به في حال لا يطمع فيها أحد بنجاة نفسه، فضلًا عن فتح بلاد الملوك وسلب كنزوهم [معالم السنن (ج٥، ص٦٧)]، كما وثق الحافظ ابن عبد البر هذا البعد بربطه بـيقين سراقة الذي لازم قلبَه منذ تلك اللحظة لعلمه بمصدر هذا الكلام الرباني [الاستيعاب في معرفة الأصحاب (ج٢، ص٥٨١)]، ولم يكن البعد الغيبي محصورًا في البشارة النبوية فحسب، بل تحول إلى دافع عقدي عميق شكّل عقلية جيل الفاتحين؛ حيث كانت الجيوش الإسلامية تتقدم نحو المدائن وهي تحمل في وعيها يقين التحقق العيني لهذه النبوءة، مما جعل المسار العسكري امتدادًا طبيعيًا للإيمان بالغيب الذي أورثه النبي - صلي الله عليه وسلم - لأمته في أشد ساعات استضعافها، فقد أورد الحافظ أبو نُعيم الأصبهاني هذا المعنى الغيبي مبينًا كيف جعل الله هذا الموقف آية للمشركين على تبدل أحوال الأمم وسقوط الطواغيت [دلائل النبوة (ص٤٣٢)]، كما حلل الحافظ السهيلي هذا البعد بإيضاح المقابلة العجيبة بين حماية الله لنبيه من طمع سراقة، وبين مكافأة سراقة نفسه بأفخر ما تملكه ملوك العجم؛ في دلالة على إحاطة الوحي بكل المقادير [الروض الأنف (ج٤، ص٢٤٠)].

طريق المدائن: الفتح العسكري الممهد لسواري سراقة

لم يكن المسار العسكري نحو عاصمة الفرس مجرد توسع جغرافي، بل كان تهيئة قدرية مادية لتحقيق الوعد النبوي، فبعد الانتصار الحاسم في معركة القادسية (١٥ هـ)، وضع القائد سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - خطة إستراتيجية ومحكمة للتقدم الفوري نحو (المدائن) لقطع دابر الجيش الساساني، وتطهير الحصون المحيطة بها، وصولًا إلى العبور الإعجازي لنهر دجلة، مما أجبر (يزدجرد) على الفرار وترك مقتنياته الذهبية خلفه، لتدخل جيوش المسلمين القصر الأبيض في صفر (١٦ هـ)، وتُجمع الكنوز الموعودة وتُساق كاملة إلى المدينة المنورة، ووثق الحافظ ابن كثير مشهد دخول سعد بن أبي وقاص القصر الأبيض ومصلى كسرى، وكيف عثر المسلمون على ثياب كسرى وحليه وتاج الملك، فبعثوا بها إلى عمر لتتحقق النبوءة [البداية والنهاية (ج٧، ص٦٣-٦٩)].

المشهد التوثيقي: إلباس سراقة سواري كسرى وتحقق الوعد النبوي

تجسد المشهد الختامي في ساحة المدينة المنورة كأعلى درجات التوثيق العملي والشهود العياني لصدق النبوة؛ حيث لم يكتفِ الفاروق عمر - رضي الله عنه - بفرز الغنائم، بل أراد إشهار إتمام الوعد النبوي أمام جماهير الصحابة وعامة المسلمين؛ فاستدعى سراقة بن مالك، وألبسه مقتنيات كسرى الفاخرة المنسوجة بالذهب، ووضع التاج على رأسه، والسوارين في يديه حتى بلغتا مرفقيه، ثم أمره بأن يرفع يديه ويطوف بين الناس ليرى الجميع بأعينهم كيف تلاشت عظمة أباطرة الأرض، وتجسد الوعد النبوي الغيبي في حقيقة مادية ملموسة لا تدع مجالًا لشك، ووثق هذا الموقف وسياقه التاريخي الإمام المحب الطبري، مبيّنًا كلمة عمر المشهورة عند رؤية سراقة بالسّوارين: "الحمد لله الذي سلبها كسرى وألبسها أعرابيًا"[الرياض النضرة في مناقب العشرة (ج٢، ص١٤٦)] مما يربط المسار العسكري كاملًا بلحظة الوفاء التاريخية، كما وثق الحافظ ابن حجر العسقلاني في الإصابة في تمييز الصحابة (ج٣، ص٤٠) هذا المشهد من طريق سيف بن عمر، مبينًا أن إلباس السوارين كان مقصودًا بذاته؛ لإقامة الحجة التاريخية على نفاذ أمر رسول الله - صلي الله عليه وسلم - وكانت غاية هذا الموقف توثيقية إيمانية بامتياز، ولم تكن بدافع المفاخرة أو نيل حطام الدنيا؛ ولهذا بمجرد أن رآه المسلمون وتحققت آية النبوة عيانًا، أمر عمر سراقة بنزع الكنوز الملكية فورًا، وجردها منه لتعود إلى بيت مال المسلمين كحق عام يُقسَّمُ بالعدل بين الفاتحين، ليكون الموقف شاهدًا على انتهاء العهد الكسروي وبداية العهد الإسلامي القائم على الأمانة وإقامة التوحيد، وقد اخرج الحافظ السيوطي رواية نزع السوارين بعد تحقق الرؤية لضمها للغنائم [الخصائص الكبرى للحافظ السيوطي (ج٢، ص١٢٢)].

الدروس والعِبر المستفادة من قصة سراقة بن مالك

تحمل قصة سراقة بن مالك - رضي الله عنه - منذ أن خرج مطارِدًا للنبي - صلي الله عليه وسلم - في الهجرة وحتى لبس سواري كسرى في عهد سيدنا عمر دروسًا عميقة تلخص تحولات النفس البشرية وعظمة المنهج النبوي، من هذه الدروس:

          أ‌-  حتمية تحقق الموعود الإلهي واليقين بنصر الله: تبرهن القصة على أن وعود الله صادقة تمضي فوق الحسابات البشرية؛ فوعد النصر لم يُقطع والمسلمون في لُجّة التمكين، بل صكّ صكّه والنبي - صلي الله عليه وسلم - طريدٌ أعزل من القوة المادية، ليتعلم المؤمنون أن الشدائد هي المحاضن الكبرى لولادة المنح الربانية.

        ب‌- التحول الجذري والنفعي لطاقات الأفراد: يكشف الموقف عن عبقرية تربوية نبوية في إعادة توجيه النفوس؛ فبكلمات يسيرة انقلب سراقة من طالب فدية يطمع في حطام الدنيا (١٠٠ ناقة) إلى عينٍ تحرس مسار الهجرة وتضلل المطاردين، ليثبت الإسلام أن الهداية تهذب الطبائع وتوظفها لنصرة الحق، فانقلاب حال سراقة في يومه من أبلغ الشواهد على نفاذ البصيرة النبوية في استصلاح الرجال؛ حيث غدا عدو الأمس حارس اليوم بفضل الحكمة النبوية.

        ت‌- الأمانة المؤسسية والوفاء بالعهود في دولة الخلافة: تجلى في صنيع الفاروق عمر - رضي الله عنه - والصحابة معيار دقيق في إدارة شؤون الأمة؛ إذ لم تُترك الوعود النبوية طي الذكريات رغبة في مكاسب مالية، بل حرصت الخلافة على استدعاء سراقة وإلباسه السوارين؛ لتوثيق الوفاء بالعهد النبوي بدقة وأمانة، فبيّن الإمام القرافي أن تتبع عمر لسواري كسرى وإلباسهما لسراقة يُعد أصلًا فقهيًا في وجوب إنفاذ الوعود النبوية وتوثيقها علنًا؛ صيانةً لمهابة الدين وإثباتًا لعدالة الشريعة[في الفروق (ج٤، ص١١٢)].

        ث‌- سماحة الإسلام وحسن التدبير النبوي: لم يعنف النبي - صلي الله عليه وسلم - سراقة ولم يدعُ عليه بالهلاك ابتداءً، بل تلطف به وقَبِل منه الكفّ عنه ووعده، مما فتح لقلبه آفاق الهداية، ليتعلم الدعاة أن الرفق والرحمة في موطن القدرة هما مفتاح القلوب، وأقرب الطرق لإظهار محاسن الدين.

        ج‌- شرف الهداية مقدم على مطامع الدنيا: لخصت تجربة سراقة ميزانًا حقيقيًا للقيم؛ فقد خرج مدفوعًا بطمعه في الجائزة المادية، لكنه عاد بقلب مؤمن موقن صغر في عينه بريق الذهب، ليتعلم المرء أن المكسب الحقيقي المستدام ليس في حطام الدنيا الزائل بل في لزوم الحق وهداية الوحي.

        ح‌- عدالة الإسلام الحتمية وزوال الطواغيت: إن مشهد الأعرابي البسيط وهو يرتدي سواري وتاج كسرى (أعظم ملوك الأرض وقتها) يلخص سنة كونية لا تتخلف؛ وهي أن الظلم والطغيان مهما تجبر فإنه إلى زوال، وأن الأرض يورثها الله لعباده الصالحين؛ لتتحقق فيهم معاني العدالة والتمكين.

الخلاصة

تظلُّ قصة سُراقة بن مالك برهانًا ساطعًا على حتمية الوعد الإلهي؛ حيث يولد النصر من رَحِم الأزمات، إنها قصة تختزل عظمة الإسلام في ركيزتين: يقينٌ غيبي بصدق النبوة في أحلك الظروف، وأمانةٌ واقعية تجلّت في الخلافة الراشدة التي وفَتْ بالعهد، وجعلت من كنوز الأكاسرة غنائم للمسلمين؛ صيانةً لجوهر التوحيد، وإعلاءً لقيم العدالة والمساواة.

موضوعات ذات صلة

هجرة النبي ﷺ التي لم تكن لتنجح لولا طاقة شبابية لا تعرف المستحيل، وقلوبًا مؤمنة هانت عليها الدنيا كلها في سبيل الله

الهجرة النبوية كانت نقطة انطلاق لـتجربة اجتماعية فريدة في التعايش السلميّ بين مختلف الجماعات الدينيّة والعرقيّة

الهجرة النبوية لها أبعاد شاملة تمس كل جوانب الحياة، ومنها البعد الاقتصادي

الهجرة النبوية كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان: عقله، وقلبه، وسلوكه، ومكانته في المجتمع

نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل، سلوك المحب للطاعة