Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مفهوم القيادة وتفسيرها

الكاتب

حسن فتح الباب

مفهوم القيادة وتفسيرها

يظهر مفهوم القيادة ومقوماتها الأساسية عبر استعراض النظريات النفسية والاجتماعية المفسرة لها، مع التركيز على النظرية الاجتماعية كأفضل النظريات تفسيرًا لعلاقة القائد بالمجتمع، كما يُسلط الضوء على نموذج القيادة الإدارية والسياسية الرشيدة في الإسلام بالتطبيق على سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة المنورة بعد الهجرة.

مقومات القيادة ومفهومها العام

أجمع الباحثون على أن القيادة في أي مجال من المجالات موهبة تصقلها الممارسة والتجربة، وأن القائد تتوافر له عدة مؤهلات أولاها الشجاعة والجرأة ثم الذكاء وبعد النظر وقوة الخلق وفهم الطبيعة البشرية، ومن أهم صفات القيادة كذلك العلم والتجربة وسرعة الخاطر، والبت في اللحظات الدقيقة الحرجة، ثم الحماسة وروح الابتكار وحب المغامرة والفطنة والفراسة، وصحة الحكم والقدرة على التنظيم وحسن الإدارة وقوة التأثير والنفوذ الشخصي والحرص والرزانة وحب العدالة وروح الشرف والواجب نحو الله والوطنية، والتجرد من الحسد أو التطلع إلى المجد الشخصي والصمود للمحنة، وهذه الصفات كلها أو بعضها قد توافرت في القادة العظام الذين خلدهم التاريخ.

النظريات المفسرة لمقومات القيادة

انتهى الباحثون من تحليل نفسية الفرد وروح الأمة ودراسة الدوافع والحوافز ومتابعة حركة التاريخ وتطور الحضارات واستقراء سير العظماء والأبطال في تاريخ الإنسانية إلى وضع عدة نظريات في مقومات القيادة، وتعزو إحدى هذه النظريات ما يمتاز به القائد الناجح من صفات إلى القوة النفسية الواحدة، وتعزو الأخرى مزاياه إلى القوى النفسية العامة، على حين تذهب النظرية الثالثة إلى أن صفات القائد إنما تصدر عن القوى النفسية الخاصة بنوع معين من القادة، ولئن تضاربت هذه النظريات الثلاث في مضمونها النفسي، فإن ثمة نظرية رابعة تنحو منحًا مغايرا فتعزو جوهر صفات القائد إلى القوة الجسمية، وهو أمر لا نسلم به لما يشوبه من نزعة عنصرية تستغل نتائج علم الأجناس (الأنثروبولوجيا) في تبرير نظريتها غير الإنسانية.

التفسير النفسي والاجتماعي وأهمية النظرية الاجتماعية

وفي رأينا أن أفضل النظريات في مقومات القيادة وأولاها بالفهم والدراسة هي تلك التي تقدم تفسيرا صحيحًا قوامه التحليل النفسي والاجتماعي لما يمتاز به القادة، من قدرة فذة على تألف الأفراد والجماعات حتى يصبح الواحد هو الكل، والكل هو الواحد، ومن ثم فقد آثرنا في هذا البحث أن نأخذ بالنظرية الاجتماعية التي تقول: إن علاقة القائد بالمجتمع هي علاقة اندماج وتكامل، والقائد الحق هو الذي يستطيع بفضل مزاياه وإخلاصه أن يحوز تقدير أعدائه قبل أصدقائه.

مقومات القيادة الإدارية والسياسية في الإسلام

وفي ضوء هذا المفهوم للقيادة الناجحة حددنا المقومات الأساسية للقيادة الإدارية في الإسلام، وكما أسفر عنها تحليل سيرة رسول الله بعد الهجرة إلى المدينة، بمعنى الصفات والمميزات التي تتوافر في القائد، ولما كان القائد الإداري مرتبطا بالعمل السياسي بمعنى الدعوة العقدية، فإن هذه المقومات تصدق على الناحيتين الإدارية والسياسية لاشتراكهما في أهم العناصر القيادية، وهي: أن يكون القائد نابعا من الأمة له هدف إصلاحي محدد واضح، وأن يكون مؤمنا برسالته واعيًا بمبادئها، قادرا على العمل في سبيل تحقيقها، ذا قدرة على القيادة بدون استعلاء على أفراد الأمة، ملتزما بما يدعو إليه، قدوة تحتذى في السلوك الذي يغلب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، مؤمنا بالحرية والقيادة الجماعية القائمة على الشورى، صبورًا حكيمًا وشجاعًا ، ذا بصيرة بالمستقبل وقدرة على التخطيط والتنظيم والإشراف والتوجيه والرقابة، وقد تناولنا أهم هذه المقومات في المباحث التالية بالتطبيق على أعمال رسول الله في دار الهجرة.

  • الانتماء إلى الأمة.
  • قوة الإيمان أو الحافز الصادق.
  • القدوة في الالتزام بالدعوة.
  • الصبر والمقاومة في مواجهة التحديات.
  • التعاون والإخاء بين القيادة والقاعدة.
  • الالتزام بمبدأ الحرية والقيادة الجماعية.
  • القدرة على التخطيط والتنظيم، تلك هي أهم الصفات والمناقب التي يمتاز بها القائد الفذ في المجتمع فتسلكه في عداد الأبطال والرواد في تاريخ الحضارة الإنسانية.

الإدارة الرشيدة في العصر النبوي بدار الهجرة

وإذا رجعنا إلى تاريخ الدولة الإسلامية في العصر النبوي تبين لنا بوضوح أن القيادة الإدارية الرشيدة كانت من أهم القواعد التي بني عليها نظام الحكم في المدينة، ومن ثم كانت عاملا رئيسا في ازدهار الدولة فيما بعد وسيادة عقيدتها وحضارتها في معظم أرجاء العالم، وقد ضرب الرسول الكريم لأصحابه - بما أثر عنه من أقوال وأفعال - أعظم المثل لما ينبغي أن يتحلى به القائد الإداري من مناقب وسجايا، إذ كان يحمل على عاتقه من الأعباء الجسام ما تنوء به الطاقة البشرية بحكم تلك الأمانة العظمى التي حملها لهداية الناس من الظلمات إلى النور، وقد وهبه الله من مقومات القيادة ما مكنه من نشر دعوته وإتمام رسالته برغم ما حمله من مسئوليات، وما واجهه من عقبات وتحديات، وفي ضوء النظريات والأفكار الحديثة التي قدمناها حول القائد والقيادة سوف نتناول مقومات القيادة الإدارية كما تبدو من خلال سيرة الرسول الله في دار الهجرة (المدينة) متابعين هذه المقومات وفقا لترتيبها آنف الذكر، ونظرًا إلى أننا سبق أن درسنا التخطيط والتنظيم بحسبانهما من القدرات التي تميز بهما النبي قائدًا إداريا، فسوف نفصل القول في سائر مقومات تلك القيادة ونخص منها بالذكر الانتماء إلى الأمة والقدرة على توجيه الأمة، وحفزها إلى الإيمان بالتعاون والتآخي سبيلا للنجاح، وقوة الإيمان أو الحافز الصادق والقدوة في الالتزام بالدعوة والصبر والمقاومة في مواجهة التحديات.

الهجرة كعمل إداري قيادي متكامل

ونشير بادئ ذي بدء إلى أنه يصدق على الهجرة معنى الإدارة كما سبق أن أوضحناه، إذ كانت توجيها من رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - لجهود مجموعة من الأفراد المؤمنين والإفادة من طاقاتهم وإمكانياتهم المتاحة؛ لتحقيق غرض مشترك ومراقبة منه لتنفيذ هذا العمل الجماعي طبقا لما وضعه من خطط، كما كانت الإدارة التي اضطلع بها الضرورة حتمية، وكانت تتوافر فيها المستلزمات التي يحددها علماؤها المحدثون من تحديد الأشخاص المنوط بهم أداء المهمة، ووحدة الهدف المراد تحقيقه، وقيام القائد بالإدارة وأعوانه بالتنفيذ، ولا خلاف أن رسول الله  - صلى الله عليه وعلى وآله وصحبه وسلم -  كان يجمع بين العمل القيادي والمشاركة في التنفيذ حسبما سنبين في المبحث الخاص بالقدوة في الالتزام بالدعوة، ويتبين كذلك من تحليل أحداث الهجرة في مختلف مراحلها بالنظر إليها كعمل قيادي إداري أن ثمة ارتباطا وثيقا بين العناصر الأساسية للإدارة فيها كما حددناها آنفا، وهي: التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة، وأن التخطيط كان الخطوة الأولى وقد أعقبه التنظيم، وأنهما معا كان يشكلان المرحلة التمهيدية أو التحضيرية، على حين أن التوجيه والإرشاد وإثارة الحوافز والرقابة كانت تشكل المرحلة التنفيذية، ومن ذلك - أيضًا - أن النبي  - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -  كان يتخذ قراراته منذ أول خطوة في الهجرة حتى أتم تكوين المجتمع الإسلامي الجديد بالمدينة، ويستدل من هذا على أن الهجرة كانت عملًا إداريا مثاليا وفقا لأحدث الدراسات.

الطاقة الإنسانية ومعايير القائد الإداري المعاصر

ومن الواضح - أيضًا - أن معايير القائد الإداري بالمصطلح العصري تطابق شخصية قائد الأمة الإسلامية وقائد الإنسانية الأعظم - صلى الله عليه وآله وسلم -  من حيث ككونه بشرًا هيأه الله للاضطلاع بدعوته ولولا ذلك لما استقام أمر المسلمين في دار الهجرة، وأصبحوا وحدة واحدة متماسكة حققت أكبر معجزة في تاريخ البشرية حين استطاعت نشر رسالتها وحضارتها في العالم بسرعة غير معهودة في زمن بدائي لا تتوافر فيه من وسائل الاتصال والانتقال والتجهيز وغيرها مما نجده في عصرنا الحديث، ولا ريب في أن تحقق تلك المعجزة يثبت أن الطاقة الإنسانية هي أعظم ما أتاحه الله للإنسان، وأنها أقوى من تلك الوسائل مجتمعة، وذلك متى توافرت لها قيادة إدارية رشيدة، إن هذه القيادة هي التي تجعل الفرد والأمة كلا لا يتجزأ فيصبح الواحد عشرة بل عشرات في قوته وتصبح الأمة واحدًا في تماسكها، لقد سخر الله للإنسان الأرض والجبال والبحار والفضاء ومكنه من ابتداع الآلات على اختلاف أنواعها، ولكنه قد يصبح عبدا لهذه الآلات إذا افتقد العقيدة الحقة، والقيادة الإدارية الحقة، فَضَلَّ طريقه، وتفرق شمله، وتخبط بغير شعاع من الإيمان والمعرفة والنظام والحكمة، فغدت آلته تستخدمه في الأغراض المنافية للعدل الإنساني والكرامة الآدمية، بدلا من أن يستغلها هو في تحقيق الخير والسلام والعدالة والتقدم والرخاء.

مقدرة التأثير والفارق بين القيادة والرياسة

وإذ استعرضنا التعريفات الحديثة للقيادة الإدارية التي أوردناها تبين لنا أن القاسم المشترك بينها هو مقدرة التأثير في الأمة وتوجيه سلوكها، الأمر الذي تتميز به شخصية الرسول الكريم - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - في المقام الأول، فلقد كانت هجرته مرحلة فاصلة في التاريخ نقل أمة بأسرها لا جماعة محدودة في عددها من النقيض إلى النقيض، من الضلال إلى الهدى من النور إلى الظلام، من الجهل إلى العلم من العبودية إلى الحرية، من الفرقة إلى الوحدة من الجمود والتخلف إلى التقدم والازدهار، بفضل الإشعاع الذي كان يسري تياره في موجات متتابعة بينه وبين الناس، كما أننا إذا لاحظنا التفرقة التي أوضحناها بين الرئيس والقائد، أدركنا أن سيدنا محمدا إذ شرع في وضع أسس الدولة الإسلامية الأولى في دار الهجرة، كان يمثل القيادة - وهي أسمى من الرياسة في أشرف وأكمل صورها، فلم يكن رئيسا يفرض إرادته على مجتمع المدينة بإصدار الأوامر والنواهي، وإلزام أفراد الأمة بتنفيذها، أو يستمد سلطته من القوة بل كان قائدًا يشارك جماعة المهاجرين والأنصار أعباءها ومسئولياتها، كما سنبين ذلك بالتفصيل فيما بعد ويلتقى معها روحا ووجدانا، وتنبع قوته من هذه المشاركة وذاك التجاوب، ويعزز مكانته بقوة الرأي العام المنبثق من إجماع الأفراد على احترامه وطاعته رغبة لا رهبة.

الآثار المستدامة للقيادة النبوية في بناء المجتمع

لقد كان المسلمون في دار الهجرة يقبلون بل يندفعون بأنفسهم مختارين لتنفيذ ما يعهد به إليهم قائدهم المختار بفضل الروح المعنوية التي رفعها في نفوسهم، وتدريبهم على تحمل المسئولية، وزيادة شعورهم بها وتقديرهم لها، فكانوا يعملون ويضحون ويتسابقون في العطاء بدافع من إيمانهم بالواجب، وكان هذا الإيمان هو الذي سد الفراغ الناشئ في المدينة وفي سائر بقاع الجزيرة العربية التي دخل أهلها في الإسلام، بعد انتقال رسول الله إلى الرفيق الأعلى، فلم تشل الحركة إدارة المجتمع بعد ذهابه؛ بل استمر كل يقوم بدوره في نشر الرسالة والسير بها في طريقها الذي رسمه رسول الله، لقد استمرت الرسالة تشع فيضها على العالم؛ لأن المسلمين كانوا قد تشربوا مبادئ الإسلام، وتغلغلت في أعماقهم مثله وقيمه التي كان يجدها القائد المبعوث من عند الله، ولأنهم قد تعلموا منه اتخاذ التعاون في سبيل تحقيق الصالح المشترك أسلوبًا للعمل، أسلوبا يقوم على الوعي والمعرفة وحسن تصريف الأمور، وانتهاج السياسة المناسبة والتلاحم بين الحاكم والمحكوم فاستفادوا وارتقى مستواهم الفكري والنفسي بما نقل إليهم من خبراته، وبما زودهم من مشورته القائمة على الفطنة والعلم والرجاحة في الفكر، وما كان يتبعه من سياسة المساواة وعدم التمييز بينهم إلا على أساس العمل والعلم والتقوى.

الخلاصة

يخلص هذا المقال إلى أن القيادة الحقة تتجاوز مجرد فرض السيطرة أو ممارسة السلطة الرسمية، بل ترتكز على الاندماج الكامل والتأثير المتبادل بين القائد والمجتمع وفق أرقى النظريات الاجتماعية والتحليلات النفسية، وتتجلى هذه المبادئ بأبهى صورها في التجربة التاريخية الفريدة للقيادة النبوية الشريفة في المدينة المنورة، حيث تلاحمت عناصر التخطيط والتنظيم الدقيق مع قيم المشاركة والقدوة العملية، وقد أثبت هذا النموذج القيادي الرشيد أن استنهاض الطاقات البشرية وتوجيهها المرتكز على الإيمان والعدالة والمساواة أقوى أثرًا من كل الوسائل المادية المتاحة، وبفضل هذه المقومات الراسخة، استطاعت القيادة النبوية بناء مجتمع متماسك ومستدام وقادر على حمل الرسالة واستكمال مسيرة البناء الحضاري بكفاءة عالية حتى بعد غياب قائدها الأول.

موضوعات ذات صلة

هجرة النبي ﷺ التي لم تكن لتنجح لولا طاقة شبابية لا تعرف المستحيل، وقلوبًا مؤمنة هانت عليها الدنيا كلها في سبيل الله

الهجرة النبوية كانت نقطة انطلاق لـتجربة اجتماعية فريدة في التعايش السلميّ بين مختلف الجماعات الدينيّة والعرقيّة

الهجرة النبوية لها أبعاد شاملة تمس كل جوانب الحياة، ومنها البعد الاقتصادي

الهجرة النبوية كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان: عقله، وقلبه، وسلوكه، ومكانته في المجتمع

نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل، سلوك المحب للطاعة