Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الإصدار السادس والخمسون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء.. واذكروا الله في أيام معدودات

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

الإصدار السادس والخمسون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء.. واذكروا الله في أيام معدودات

واذكروا الله في أيام معدودات   


الهدف: بيان أن أيام التشريق مواسمُ عظيمة، شُرعت لإحياء ذكر الله تعالى وتعظيمه وشكره

الخطبة الثانية: الترابط الأسري

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

ففي أيامٍ تتنزّل فيها الرحمات، وتفوح من أجوائها معاني الطاعة والرضا والتسليم، تأتي أيام التشريق لتكون محطاتٍ إيمانيةً يفيض فيها القلب بذكر الله تعالى، وتلهج فيها الألسن بالتكبير والتحميد والتهليل، فلم تكن أيامَ أكلٍ وشربٍ وفرحٍ فحسب، بل هي مواسمُ عبادةٍ عظيمة، يختلط فيها سرور العيد بحلاوة الذكر، فيشعر المسلم أن حياته كلها لله؛ فرحه لله، ونسكه لله، وكلماته لله، وما أجمل أن يعيش المؤمن هذه الأيام وهو يردد مع الجموع: “الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله”، فتنبعث في روحه الطمأنينة، ويستيقظ في قلبه معنى العبودية الصادقة.

لقد ربط الله تعالى هذه الأيام المباركة بذكره ربطًا وثيقًا، فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ ، ليبقى الذكر روح هذه المواسم وشعارها الأعظم، فالذاكر لله في أيام التشريق لا يحيي سنةً فحسب، بل يحيي قلبه أيضًا؛ لأن القلوب لا تحيا إلا بالقرب من الله، ولا تسمو إلا حين تعمر بذكره، ومن هنا تتجلّى عظمة هذا الموضوع، إذ يجمع بين عبادة اللسان، وحياة القلب، وتعظيم شعائر الله في أيامٍ طيبة مباركة، هي من أعظم أيام الدنيا.

  • الذكر من أعظم العبادات

قال الله تعالى : ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: ٤١]، قال الطبري: "عن ابن عباس في قوله ﴿ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا﴾ يقول: لا يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدًّا معلوما، ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًّا ينتهي إليه ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، قال: ﴿فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡ﴾ بالليل والنهار في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال، وقال: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا﴾ فإذا فعلتم ذلك؛ صلى عليكم هو وملائكته" [جامع البيان].

وقال الزمخشري: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ﴾: أثنوا عليه بضروب الثناء من التقديس والتحميد والتهليل والتكبير وما هو أهله، وأكثروا ذلك ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أى في كافة الأوقات" [الكشاف].

وعن أبي الدَّرْدَاءِ، قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «ألا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أعْمالِكُمْ، وأزْكاها عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأرْفَعِها في دَرَجاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لكُمْ من إنْفاقِ الذَّهَبِ والوَرِقِ، وَخَيْرٍ لكُمْ من أن تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فتَضْرِبوا أعْناقَهُمْ، وَيَضْرِبوا أعْناقَكُمْ؟ " قالوا: بلى، قال: "ذِكْرُ اللهِ تعالى"، فقال مُعاذُ بن جَبلٍ: ما شَيْءٌ أنْجى من عَذابِ اللهِ من ذِكْرِ اللهِ» [رواه الترمذي].

وعدَّ ابن جُزَيٍّ هذا الحديث أحدَ وجوهٍ ثلاثةٍ في تفضيل الذكر على سائر الطاعات، ثم قال: الوجه الثاني: أنَّ الله تعالى حيثُ ما أمرَ بالذِّكر، أو أَثنى على الذِّكر: اشترطَ فيه الكثرةَ، فقالَ: اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، والذاكرين الله كثيرًا، ولم يشترط ذلك في سائر الأعمال، الوجه الثالث: أنَّ للذكر مزية هي له خاصة وليست لغيره: وهي الحضور في الحضرة العلية، والوصول إلى القرب بالذي عبر عنه ما ورد في الحديث من المجالسة والمعيَّة، فإنَّ اللهَ تعالى يقول: «أنا جليسُ مَن ذَكرني»، ويقول: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي» [متفق عليه] من حديث أبي هريرة، وفي رواية البيهقي: «وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي» [التسهيل لعلوم التنزيل].

وروى البيهقي قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي أُمَامَةَ، فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ! إِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَيْكَ كُلَّمَا دَخَلْتَ وَكُلَّمَا خَرَجْتَ وَكُلَّمَا قُمْتَ وَكُلَّمَا جَلَسْتَ، قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: "اللهُمَّ غَفْرًا، دَعُونَا عَنْكُمْ، وَأَنْتُمْ لَوْ شِئْتُمْ صَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا * وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا * هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيۡكُمۡ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا﴾" [دلائل النبوة].

  • فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ

قال الجصاص عن هذا الأمر الإلهي: "قَدْ تَضَمَّنَ الْأَمْرَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَذِكْرُنَا إيَّاهُ عَلَى وُجُوهٍ، وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ أَقَاوِيلُ عَنْ السَّلَفِ قِيلَ فِيهِ: اُذْكُرُونِي بِطَاعَتِي أَذْكُرْكُمْ بِرَحْمَتِي، وَقِيلَ فِيهِ: اُذْكُرُونِي بِالثَّنَاءِ بِالنِّعْمَةِ أَذْكُرْكُمْ بِالثَّنَاءِ بِالطَّاعَةِ، وَقِيلَ: اُذْكُرُونِي بِالشُّكْرِ أَذْكُرْكُمْ بِالثَّوَابِ، وَقِيلَ: فِيهِ اُذْكُرُونِي بِالدُّعَاءِ أَذْكُرْكُمْ بِالْإِجَابَةِ وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِهَذِهِ الْمَعَانِي، وَجَمِيعُهَا مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى لِشُمُولِ اللَّفْظِ وَاحْتِمَالِهِ إيَّاهُ" [أحكام القرآن].

وقال القرطبي: "وأصل الذكر التنبه بالقلب للمذكور والتيقظ له، وسمي الذكر باللسان ذكرًا؛ لأنه دلالة على الذكر القلبي، غير أنه لما كثر إطلاق الذكر على القول اللساني صار هو السابق للفهم" [الجامع لأحكام القرآن].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شبراً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» [رواه البخاري].

قال ابن بطال: " فإن قيل: فما معنى قوله: «إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي» قيل: معنى ذلك: وإذا ذكرني بقلبه مخفيًا ذلك عن خلقي ذكرته برحمتي وثوابي مخفيًا ذلك عن خلقي، حتى لا يطلع عليه أحد منهم، وإذا ذكرني في ملأ من عبادي، ذكرته في ملأ من خلقي أكثر منهم وأطيب" [شرح صحيح البخاري].

وقال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني: "قال بعض أهل العلم: يستفاد منه أن الذكر الخفي أفضل من الذكر الجهري والتقدير: إن ذكرني في نفسه ذكرته بثواب لا أطلع عليه أحدا، وإن ذكرني جهرا ذكرته بثواب أطلع عليه الملأ الأعلى" [فتح الباري].

وعن أبي عثمان النّهْدىّ قال: "إني لأعلم حين يذكرني الله، فقيل له: من أين تعلم؟ فقال: يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ﴾ [البقرة: ١٥٢]، فإذا ذكرتُ اللهَ ذَكَرني" [الطبقات الكبرى].

  • مقاصد الذكر وأنواعه

قال ابن جُزَي: "وللنَّاس في المقصِد بالذكر مقامان: فمقصد العامة اكتساب الأجور، ومقصد الخاصة القرب والحضور، وما بين المقامين بون بعيد، فكم بين من يأخذ أجره وهو من وراء حجاب، وبين من يقرب حتى يكون من خواص الأحباب.

واعلم أن الذكر على أنواع كثيرة: فمنها التهليل، والتسبيح، والتكبير، والحمد، والحوقلة، والحسبلة، وذكر كل اسم من أسماء الله تعالى، والصلاة على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، والاستغفار، وغير ذلك، ولكل ذكر خاصيته وثمرته، وأما التهليل: فثمرته التوحيد: أعني التوحيد الخاص فإنّ التوحيد العام حاصل لكل مؤمن، وأما التكبير: فثمرته التعظيم والإجلال لذي الجلال، وأما الحمد والأسماء التي معناها الإحسان والرحمة كالرحمن الرحيم والكريم والغفار وشبه ذلك: فثمرتها ثلاث مقامات، وهي الشكر، وقوة الرجاء، والمحبة، فإنّ المحسن محبوب لا محالة، وأما الحوقلة والحسبلة: فثمرتها التوكل على الله والتفويض إلى الله، والثقة بالله: وأما الأسماء التي معناها الاطلاع والإدراك كالعليم والسميع والبصير والقريب وشبه ذلك: فثمرتها المراقبة، وأما الصلاة على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: فثمرتها شدّة المحبة فيه، والمحافظة على اتباع سنته، وأما الاستغفار: فثمرته الاستقامة على التقوى، والمحافظة على شروط التوبة مع إنكار القلب بسبب الذنوب المتقدّمة، ثم إنّ ثمرة الذكر التي تجمع الأسماء والصفات مجموعة في الذكر الفرد وهو قولنا: الله، الله، فهذا هو الغاية وإليه المنتهى [التسهيل لعلوم التنزيل].

  • عبادة الذكر وتجليها في فريضة الحج

قد تجلت عبادة الذكر تجليًا عجيبًا في فريضة الحج؛ ذلك أن الذكر هو المقصود الأعظم للحج، فما شرع الطواف بالبيت العتيق، ولا السعي بين الصفا والمروة، ولا رمي الجمار وتقديم الهدْي إلا لإقامة ذكر الله عز وجل.

قال تبارك وتعالى: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ * فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ﴾ [البقرة: ١٩٨: ٢٠٠].

وقال عز وجل: ﴿وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣].

وقال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٧-٢٨].

وقال تعالى: ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٧].

والمناسك كلها تذكرك بالله جل جلاله، وتغرس فيك معنى التعظيم لجلاله سبحانه، قال حجة الإسلام الغزالي: "ومهما أشرف على المنزل فليقل: اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذَرَيْن، ورب البحار وما جَرَيْن، أسألك خير هذا المنزل وخير أهله، وأعوذ بك من شره وشر ما فيه، اصرف عني شر شرارهم ...

ثم قال: "يستحب تجديد التلبية في دوام الإحرام خصوصًا عند اصطدام الرفاق، وعند اجتماع الناس، وعند كل صعود وهبوط، وعند كل ركوب ونزول، رافعًا بها صوته، بحيث لا يبح حلقه، ولا ينبهر، فإنه لا ينادي أصم ولا غائبًا كما ورد في الخبر" [الإحياء].

وعَن سيدنا أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسيرُ فِي طَرِيق مَكَّة، فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمدَانُ، فَقَالَ: «سِيرُوا هَذَا جُمْدَان سَبَقَ المُفَرِّدونَ» قَالُوا: وَمَا المفرِّدونَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «الذَّاكِرُونَ الله كثيرًا وَالذَّاكِرَاتِ» [رواه مُسلم].

وأما أعظم الأذكار في الحج فهو التلبية؛ فهي عنوان الحج وشعار الحاج كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحجُّ: العجُّ والثجُّ» [رواه الترمذي وابن ماجه]، والعج: التكبير والتلبية، والثجُّ: ذبح الأضحية، وهكذا يتجلى شأن الذكر في الحج، ويستبين عظم منزلته ورفيع مكانته.

  • الأيام المعدودات هي القلائل فاعمرها بذكر الله تعالى

إن لفظ معدودات أدل على القلة في غالب الاستعمال العربي، لأن كل قليل يجمع بالألف والتاء، نحو دُريْهمَات، وبعضهم قال: هو لفظ يدل على القليل والكثير، وهنا أراد المولى جل شأنه الأيام القلائل التي تعقب العيد وتؤدَّى فيها المناسك، ويُنهى فيها عن الصيام، فلا شك أنها أيام قلائل، وهي أربعة أيام بيوم النحر، وثلاثة أيام بعده، وعن سيدنا علي رضي الله عنه وجماعة: ثلاثة بيوم النحر، يوم ويومان بعده.

وهذه الأيام المعدودات القلائل هي أيام التشريق بلا خلاف بين العلماء، وهو المروي عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبي موسى ومجاهد، وعطاء والحسن وإبراهيم والضحاك وأبي مالك وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي والزهري وقتادة، والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وعطاء الخراساني ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم رضي الله عنهم جميعًا.

قال الإمام ابن جرير: "وإنما قلنا: إنّ "الأيام المعدودات"، هي أيام منى وأيام رمي الجمار لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول فيها: " إنها أيام ذكر الله عز وجل" [تفسير الطبري].

وقد قال العلماء: "كل شيء في القرآن: "معدودة" أو "معدودات" فهو دون الأربعين، وما زاد على ذلك لا يقال: معدودة" [تفسير السمرقندي].

وقيل: إنما سميت معدودة، لأنها تعد من أيام الحج، فيفرغ فيها مما عليه من أفعال الحج من رمي الجمار والبيتوتة بمزدلفة [الغنية].

  • الذكر المراد في الأيام المعدودات

إن الذكر المراد في الأيام المعدودات في الآية الكريمة، يأتي على أربع صور مشهورة:

الأولى: ذكر الحجاج عند رمي الجمار ونحوها من مناسك الحج.

الثانية: تكبيرات المسلمين خلف الصلوات في مساجدهم خلال هذه الأيام: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله العظيم وتعالى بكرة وأصيلًا ".

ويُبدأ بالتكبير مع الصبح من يوم عرفة، ويختم مع العصر يوم الثالث عشر، وهو قول أكابر الصحابة، كعلي وعمر وابن مسعود وابن عباس، ومن الفقهاء قول الثوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق والمُزَني وابن شُرَيح، وعليه عمل الناس بالبلدان.

الثالثة: ذكره بالتسمية والتكبير عند ذبح النسك، فإن وقت ذبح الهدايا والأضاحي يمتد إلى آخر أيام التشريق عند جماعة من العلماء، وهو قول الشافعي ورواية عن الإمام أحمد، ويستحب أن يذكر الله تعالى عند ذبحه للنسك خلال هذه الأيام.

الرابعة: ذكر الله تعالى المطلق، فإنه يستحب الإكثار منه في أيام التشريق، وقد كان سيدنا عمر يكبر بمنى في قبته فيسمعه الناس فيكبرون فترتج منى تكبيرًا، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ﴾ [البقرة: ٢٠٠] إلى آخر الآية وقد استحب كثير من السلف كثرة الدعاء بهذا في أيام التشريق.

قال عكرمة: كان يستحب أن يقال في أيام التشريق: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١].

وعن عطاء بن أبي رباح قال: ينبغي لكل من نفر أن يقول حين ينفر متوجهًا إلى أهله: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ [البقرة: ٢٠١] خرجهما عبد بن حُميد في تفسيره، وهذا الدعاء من أجمع الأدعية للخير، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر منه.

وروي: أنه كان أكثر دعائه وكان إذا دعا بدعاء جعله معه فإنه يجمع خير الدنيا والآخرة قال الحسن: الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة، وفي الآخرة: الجنة، وقال سفيان: الحسنة في الدنيا: العلم والرزق الطيب وفي الآخرة: الجنة.

والدعاء من أفضل أنواع ذكر الله عز وجل، وقد روى زياد الجصاص عن أبي كنانة القرشي أنه سمع أبا موسى الأشعري يقول في خطبته يوم النحر: "بعد يوم النحر ثلاثة أيام التي ذكر الله، الأيام المعدودات، لا يرد فيهن الدعاء، فارفعوا رغبتكم إلى الله عز وجل" [مفاتيح الغيب].

  • هل الأمر بالذكر للوجوب أم للندب؟

قال ابن عرفة: "إن أريد مطلق الذكر فهو للوجوب، وإن أريد الذكر الخاص في الوقت الخاص فهو للندب" [تفسير ابن عرفة].

سبب الأمر بالذكر في هذه الأيام خاصة: قال العلماء: "وسبب أمر الله تعالى المسلمين بالذكر في هذه الآية والتي قبلها قوله عز وجل: ﴿فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ﴾ [البقرة: ٢٠٠] على ما ذكر المفسرون أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم وقفوا عند البيت وذكروا مآثر آبائهم ومفاخرهم، وكان الرجل يقول: إن أبي كان يقري الضيف، ويطعم الطعام، وينحر الجزور، ويفك العاني، ويجز النواصي، ويفعل كذا وكذا، ويتفاخرون بذلك، فأمرهم الله عز وجل بذكره، فأنزل الله عز وجل: ﴿فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗا﴾ [البقرة:٢٠٠] إلى قوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣].

وقال جل وعلا: ﴿فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ﴾ [البقرة: ١٥٢] أي: فأنا الذي فعلت ذلك بكم وبآبائكم وأحسنت إليكم وإليهم.

وقال السُّدّي -رحمه الله -: كانت العرب إذا قضت مناسكها وأقاموا بمنى يقوم الرجل فيسأل الله - عز وجل - ويقول: اللهم إن أبي كان عظيمَ الجَفْنَة، عظيمَ القُبَّة، كثيرَ المال، فأعطني مثل ذلك، وليس يذكر الله - عز وجل -، إنما يذكر أباه، ويسأل أن يعطى في دنياه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وقال ابن عباس وعطاء والربيع والضحاك معناه: فاذكروا الله تعالى كذكر الصبيان الصغار الآباء، وهو قول الصبي أول ما يفصح ويفقه كلام أبيه وأمه، ثم يلهج بأبيه وأمه.

وعن عمر بن مالك عن أبى الجوزاء قال: قلت لابن عباس رضي الله عنهما: أخبرني عن قول الله - عز وجل -: ﴿فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗا﴾ [البقرة: ٢] وقد يأتي على الرجل يوم لا يذكر فيه أباه، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس كذلك، ولكن أن تغضب لله عز وجل إذا عُصي أشد من غضبك لوالديك إذا شُتما.

وعن محمد بن أبي حميد عن محمد بن كعب القرظي رحمه الله: ﴿فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗا﴾ أي: كذكر آبائكم إياكم ﴿أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗا﴾ يعنى: بل أشد كقوله: ﴿أَوۡ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] أي: بل يزيدون، [الغنية].

  • العبادات كلها تختم بالذكر والحج أعلاها

دائمًا يأتي الأمر بالذكر عند بدء العبادة وبعد الفراغ منها، قال الإمام النووي في "الأذكار": "اعلم أن أشرفَ أوقات الذكر في النهار الذكرُ بعد صلاة الصبح، رُوِّينا عن أنس رضي الله عنه في كتاب الترمذي وغيره، قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى الفَجْرِ في جماعةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يذكرُ اللَّهَ تَعالى حتَّى تَطْلُعَ الشَمْسُ، ثُمَّ صَلَّى ركعتين، كانت له كأجْرِ حَجَّةٍ وعمرةٍ تامةٍ تامةٍ تامةٍ".

وكذا عند الوضوء، وعند الأذان، وبعد الصلوات، وتكبيرات عيد الفطر بعد رمضان، وبعد الفراغ من الطعام، وعند لُبس الثوب الجديد، وعلى كل حال، قال أحد المشايخ يوصي بعض مريديه: عليك بالذكر عند البسط، وبالفكر عند القبض، وبالحمد على كل حال، ووردك لا تغفل عنه، إن فاتك بالليل أخلفه بالنهار، وإن سافرت فاجعل وردك في الذكر" [عدة المريد الصادق].

وعن الذكر في فريضة الحج، قال العلماء: إنه مأمور به لأن سائر العبادات تنقضي ويفرغ منها وذكر الله باقٍ لا ينقضي ولا يُفرغ منه، بل هو مستمر للمؤمنين في الدنيا والآخرة، وقد أمر الله تعالى بذكره عند انقضاء الصلاة قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡ﴾ [النساء: ١٠٣] وقال في صلاة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ﴾ [الجمعة: ١٠] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ  * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب﴾ [الشرح: ٧, ٨] روي عن ابن مسعود قال: فإذا فرغت من الفرائض فانصب، وعنه قوله: ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب﴾ [الشرح: ٨] قال: في المسألة وأنت جالس وقال الحسن: أمره إذا فرغ من غزوة أن يجتهد في الدعاء والعبادة فالأعمال كلها يفرغ منها والذكر لا فراغ له ولا انقضاء والأعمال تنقطع بانقطاع الدنيا ولا يبقى منها شيء في الآخرة والذكر لا ينقطع، المؤمن يعيش على الذكر ويموت عليه وعليه يبعث.

أحسبتموا أن اللياليَ غيَّرَت *** عهدَ الهوى لا كان من يتغيرُ

يفنى الزمان وليس يفنى ذكرُكم *** وعلى محبتكم أموت وأُحشَرُ

وقال ذو النون المصري: ما طابت الدنيا إلا بذكره ولا الآخرة إلا بعفوه ولا الجنة إلا برؤيته.

بذكر الله ترتاح القلوبُ *** ودنيانا بذكراهُ تطيبُ

إِذَا ذُكِرَ الْمَحْبُوبُ عِنْدَ حَبِيبِهِ *** تَرَنَّحَ نَشْوَانٌ وَحَنَّ طَرُوبُ

فأيام التشريق يجتمع فيها للمؤمنين نعيم أبدانهم بالأكل والشرب ونعيم قلوبهم بالذكر والشكر وبذلك تتم النعم، وكلما أحدثوا شكرًا على النعمة كان شكرهم نعمة أخرى إلى شكر آخر ولا ينتهي الشكر أبدًا.

إذا كان شكري نعمةَ اللهِ نعمةٌ *** عليَّ له في مثلها يجب الشكرُ

فكيف بلوغُ الشكرِ إلا بفضله *** وإن طالت الأيامُ واتصل العمرُ

[لطائف المعارف].

  • فائدة: مفهوم قوله الشريف: أيام أكل وشرب وذكر

روى أبو داود بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللهِ عز وجل».

قال المُلّا علي القاري: "قال الأشرف: وإنما عقب الأكل والشرب بذكر الله لئلا يستغرق العبد في حظوظ نفسه، وينسى في هذه الأيام حق الله تعالى" [مرقاة المفاتيح].

قال ابن رجب الحنبلي: "وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل» إشارة إلى أنّ الأكل في أيّام الأعياد والشّرب إنما يُستعان به على ذكر الله تعالى وطاعته، وذلك من تمام شكر النعمة أن يُستعان بها على الطاعات، وقد أمر الله تعالى في كتابه بالأكل من الطيبات والشكر له فمن استعان بنعم الله على معاصيه فقد كفر بنعمة الله، وبدلها كفرًا، وهو جدير أن يسلبها كما قيل:

إذا كنت في نعمة فارْعَها *** فإن المعاصي تزيل النعم

وداوِم عليها بشكر الإله *** فشكرُ الإله يُزيل النقم

وخصوصًا نعمة الأكل من لحوم بهيمة الأنعام كما في أيام التشريق، فإن هذه البهائم مطيعة وهي مسبحة له قانتة كما قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِ﴾ [الاسراء: ٤٤] وإنها تسجد له كما أخبر بذلك في سورة النحل وسورة الحج، وربما كانت أكثر ذكرًا لله من بعض بني آدم وفي المسند مرفوعا: «رُبَّ بَهِيمَةٍ خَيْرٌ مِنْ رَاكِبِهَا وَأَكْثَرُ لَهُ مِنْهُ ذِكْرًا» [لطائف المعارف].

  • سر النهي عن صيام هذه الأيام المباركة

قال الإمام ابن رجب الحنبلي: "وفي النهي عن صيام هذه الأيام والأمر بالأكل فيها والشرب سر حسن، وهو أن الله تعالى لما علم ما يلاقي الوافدون إلى بيته من مشاق السفر وتعب الإحرام وجهاد النفوس على قضاء المناسك شرع لهم الاستراحة عقب ذلك، بالإقامة بمنى يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وأمرهم بالأكل فيها من لحوم نسكهم لأنهم في ضيافة الله عز وجل فيها لطفًا من الله بهم ورأفة ورحمة، وشاركهم أيضًا أهل الأمصار في ذلك لأن أهل الأمصار شاركوهم في حصول المغفرة والنصب لله والاجتهاد في عشر ذي الحجة بالصوم والذكر والاجتهاد في العبادات، وشاركوهم في حصول المغفرة وفي التقرب إلى الله تعالى بإراقة دماء الأضاحي فشاركوهم في أعيادهم واشترك الجميع في الراحة في أيام الأعياد بالأكل والشرب، كما اشتركوا جميعا في أيام العشر في الاجتهاد في الطاعة والنصب وصار المسلمون كلهم في ضيافة الله عز وجل في هذه الأيام يأكلون من رزقه ويشكرونه على فضله.

ونهوا عن صيامهم؛ لأن الكريم لا يليق به أن يجيع أضيافه، فكأنه قيل للمؤمنين في هذه الأيام قد فرغ عملكم الذي عملتموه فما بقي لكم إلا الراحة" [لطائف المعارف].

فعمروا هذه الأيام وسائر الأوقات بذكر الله تعالى، وقد كان سيدنا الحسن يقول: "أشد الأعمال قيام الليل بالمداومة على ذلك، ومداومة الأوراد من أخلاق المؤمنين وطرائق العابدين، وهي مزيد الإيمان وعلامة الإيقان" [قوت القلوب].

وقال أبو علي الدقاق رحمه الله: "الواردات من حيث الأوراد، فمن لا وِرْدَ لَهُ بظاهره، لا وارد لَهُ فِي سرائره" [الرسالة القشيرية].

فاللهم ألهمنا حمدك، ولا تُنسنا ذكرك وشكرك، ولا تكشف عنا سترك، ولا تجعلنا من الغافلين، اللهم أيقظنا في أحب الساعات إليك حتى نذكرك فتذكرَنا، ونسألك وندعوك فتستجيبَ لنا، ونستغفرك فتغفرَ لنا، آمين آمين.

الخطبة الثانية

الترابط الأسري

مما لا شك فيه أن التعامل الجيد مع الخلافات الأسرية سبب أصيل لوجود الترابط الأسري، لأن التفكك داخل الأسرة بوابة للأزمة النَّفسية التي يعاني منها الأولاد في البيوت، وقد تزيد لتصل إلى حد الطلاق فيفسد حال البيت والأسرة بالكلية، وتشير بعض الأبحاث والدراسات إلى أن ٢٤ % من أطفال الشوارع ينحدرون من أسر مفككة كما أن ٣٢ % منهم لم يجدوا اهتمامًا، ورعاية من أسرهم فتركوا البيت فارّين منه.

كما أن الاعياد في الإسلام والمناسبات الدينية فرصة كبيرة لعلاج ما قد يطرأ من خلل على صعيد الأسرة والمجتمع ، خصوصاً في هذا العصر الذي انتشرت فيه وسائل التواصل الاجتماعي فغدت بابًا كبيرًا من أبواب التفكك والبعد والاختلاف بين أفراد الأسرة الواحدة.

وهناك عدة أمور مهمة نوصي بها في بيوتنا ليحسن تعاملنا مع الخلافات الأسرية، أهمها:

وجود الخلاف في البيوت أمر طبيعي ولكن كيف نتعامل معه؟:

إن وقوع الخلاف سنة بشرية، ووجود الاختلاف بين الزوجين أمر لا مفر منه، ولكن كيف يمكننا أن نتعامل معه، وأن نتجاوزه، وأن نلتقي عند نقطة اتفاق تقطع النزاع.

لقد أكد القرآن على وصية جليلة حين قال تعالى: ﴿وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]، ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ بالنصح والتوجيه والتَّعليم مرة واثنتين وعشرة، ولا تملوا من ذلك، ﴿وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ﴾ بأن توليها ظهرك على الفراش بحيث لا يعلم الخلاف بينكما، حتى الأولاد في البيت، ﴿وَٱضۡرِبُوهُنَّ﴾ لا على الحقيقة المؤذية، بل على معنى الزجر والتعبير عن عدم الرضا.

وليجعل كل منكما الحسنات شافعة للسيئات، كما قال العلماء: "فليهب سيئاتها لحسناتها تخلقًا بأخلاق الله عز وجل؛ فإنه يذهب السيئات بالحسنات".

وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَفْرَكْ (لا يُبغض) مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَة؛ إِنْ كَرِهَ مِنْها خُلُقًا رَضِيَ مِنْها آخَرَ" أو قال: "غَيْرَهُ".

  • صلاح البيوت يكون بالصبر وتحمل المسئولية

فعلى كل من الزوجين أن يحسن صحبة الآخر، حتى في حالة كُرهِه، قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا﴾ [النساء: ١٩].

أي: فعسى إن صبرتم على إمساكهن مع الكراهة لهن أن يكون في ذلك خير كثير لكم في الدنيا والآخرة، قال ابن عباس: هو أن يعطف عليها فيرزق منها ولدًا، ويكون فيه خير كثير.

وروى ابن مردويه، والأصبهاني عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: "لا أملُّ ثوبي ما وسعني، ولا أملُّ زوجتي ما أحسنت عشرتي، ولا أملُّ دابتي ما حملت رحلي؛ إن الملالة من سيِّئِ الأخلاق".

  • مقابلة ضغوط الحياة بشيء من المزاح والترويح والمداعبة

إن ضغوط الحياة كثيرة، فإذا ما جعلت وقتًا تداعب أهلك وتحسن إليهم، وتدخل السرور عليهم، كان ذلك شافعا لك عند حدوث المشكلات فيبقى حبل الود والمحبة.

وقد قال حجة الإسلام الغزالي في بيان الحقوق التي يكلف بها الزوج: "أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة والمزح والملاعبة فهي التي تطيب قلوب النساء، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال والأخلاق حتى روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يسابق عائشة في العَدْوِ فسبقته يومًا وسبقها في بعض الأيام فقال صلى الله عليه وسلم: «هَذهِ بتِلْك» [أبو داود والنسائي].

وفي الخبر: "أنه كان صلى الله عليه وسلم من أفكه الناس مع نسائه" [رواه البزار والطبراني].

وقالت عائشة رضي الله عنها: سَمِعْتُ أَصْوَاتَ أُنَاسٍ مِنْ الْحَبَشَةِ وَغَيْرِهِمْ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتُحِبِّينَ أَنْ تَرَيْ لَعِبَهُمْ؟»، قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَجَاءُوا وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَوَضَعَ كَفَّهُ عَلَى الْبَابِ وَمَدَّ يَدَهُ وَوَضَعْتُ ذَقْنِي عَلَى يَدِهِ وَجَعَلُوا يَلْعَبُونَ وَأَنْظُرُ وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «حَسْبُكِ» وَأَقُولُ اسْكُتْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ حَسْبُكِ» فَقُلْتُ نَعَمْ فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ فَانْصَرَفُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ» ...، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ فِي أَهْلِهِ مِثْلَ الصَّبِيِّ فَإِذَا الْتَمَسُوا مَا عِنْدَهُ وَجَدُوا رَجُلًا".

  • خيركم خيركم لأهله وما أكرمهن إلا كريم

الخيرية على كل حال في وقت الرضا والغضب، وقد روى ابن حبان في "صحيحه" عن عائشة، وابن ماجه عن ابن عباس، والطبراني في "الكبير" عن معاوية رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنَّهُ قال: «يْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ، وأَنَا خَيْرُكُمْ لأهْليْ».

وأخرجه ابن عساكر عن علي رضي الله عنه، وزاد فيه: «مَا أَكْرَمَ النِّسَاءَ إِلا كَرِيْمٌ، ولا أَهَانَهُنَّ إِلا لئِيْمٌ».

وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما، ولفظه: «خِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لنِسَائِهِمْ».

وللطبراني في "الكبير" عن أبي كَبشة الأَنْماري رضي الله عنه، ولفظه: «خِيَارُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ».

وبلفظ أعم عند البيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لنِسَائِهِ ولبَنَاتِهِ».

  • صونوا بيوتكم عن الضياع

ابنوا بيوتكم على السر، وصونوها عن العين، وتحلوا بالستر، والتمسوا العذر، فقد روى ابن حبان في "صحيحه" عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَصْبَحَ إِبْلِيْسُ بَثَّ جُنُوْدهُ وَقَالَ: مَنْ أَخَذَ الْيَوْمَ مُسْلِمَا ألبَسْتُهُ التَّاجَ، قَالَ: فَيَجِيْءُ هَذَا فَيقُوْلُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى طَلَّقَ امْرَأتهُ، فَيقُوْلُ: يُوْشِكُ أَنْ يتَزَوَّجَ، قَالَ: وَيَجِيْءُ هَذا فَيقُوْلُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى عَقَّ وَالِدَيهِ، فَيقُوْلُ: يُوْشِكُ أَنْ يَبَرَّهُمَا، وَيجِيءُ هَذَا فَيقُوْلُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى أَشَرَكَ، فَيَقُوْلُ: أَنْتَ أَنْتَ، وَيجِيْءُ هَذَا فَيَقُوْلُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى قتَلَ، فَيَقُوْلُ: أَنْتَ أنتَ، وَيُلْبِسهُ التَّاجَ».

وفي هذا الحديث: أن من أخلاق هذا الخبيث وأعماله السعي في التفريق بين الزوجين، وفي عقوق الوالدين، وهذا الثاني من الكبائر، والأول أبغض الحلال إلى الله تعالى؛ لما رواه أبو داود، وابن ماجه، وصححه الحاكم، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَبْغَضُ الْحَلالِ إِلَى اللهِ الطَّلاقُ».

  • خدمة الأهل والقيام بحقهم خير من الجهاد في سبيل الله

إن الحفاظ على البيوت من المشكلات، وحفظ أمنها، وحسن تعاهدها بالرعاية والعناية، والصبر على مشكلاتها، درجة عظيمة تعلو درجة الجهاد في سبيل الله تعالى.

فقد روى الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن ثوبان رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَفْضَلُ الدَّنَانِيْرِ دِيْنَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلى عِيَالِهِ، ودِيْنَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلى دَابَّتِهِ، ودِيْنَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيْلِ الله".

وروى أبو الفرج ابن الجوزي في "صفوة الصفوة" عن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى قال: "لا يقع موقع الكسب على العيال شيء، ولا الجهاد في سبيل الله"

  • التأكيد على أن كل حقٍّ يقابله واجب

فمن الأخطاء التي تؤثر على علاقاتنا الأسرية: أن كل واحد يبحث عن حقه فقط دون النظر إلى الواجب الذي عليه، فالزوجة تبحث عن حقها فقط، والزوج يبحث عن حقه فقط، والأولاد يبحثون عن حقوقهم فقط، وهذا يعد من أكبر أسباب وجود المشكلات الأسرية في البيت المسلم، فعلى كل فرد من أفراد الأسرة أن يعلم أن له حق وعليه واجب.

والقاعدة في ذلك: "لا تطلب الحق قبل أن تؤدي الواجب الذي عليك"، فقد تشكو الزوجة من زوجها في أمرٍ ما دون أن تنظر إلى تقصيرها تجاه زوجها، وقد يشكو الزوج من زوجته في أمرٍ ما دون النظر إلى تقصيره في واجبه الذي عليه، وكذا الأولاد ينظرون إلى بعض أصدقائهم فيرون أن آباءهم منعوهم أشياء كثيرة، بينما لم ينظر إلى واجبه في الأخلاق والطاعة والمذاكرة ونحوها.

ويجب على الزوج -أصالة- أن يكون ناصحًا لزوجه آمرًا لها بالمعروف والحسنى، قال تعالى: ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَا﴾ [طه: ١٣٢] وأمر الزوج بهذا إنما هو لأجل قوامته وولايته عليها، ولكنه حق مشترك بحيث يجب على المرأة أن تقوِّم زوجها عند الخطأ، وأن تذكِّرَه بالله على الدوام، وأن تعينه على الطاعة ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا.

فإذا قامت فلسفة الأسرة المسلمة على هذا العماد رأيت البيت المسلم في أبهى وأحلى صورة.

وعلى المرأة أن تحافظ على حق زوجها كذلك ولا تهمل شيئًا من حاجياته، فقد روى الطبراني في "الكبير" عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خَيْرُ النَسَاءِ مَنْ تَسُرُّكَ إِذَا أَبْصَرْتَ، وَتُطِيْعُكَ إِذَا أَمَرْتَ، وَتَحْفَظُ غَيْبَكَ فِيْ نَفْسِهَا وَمَالِكَ».

مراجع للاستزادة:

  • قوت القلوب، لأبي طالب المكي.
  • الرسالة القشيرية، للقشيري.
  • لطائف المعارف، لابن رجب الحنبلي.

موضوعات ذات صلة

كيف كان حال النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأوائل من ذي الحجة؟

أيام التشريق هي الأيام الثلاثة التي تلي يوم النحر.

يوم القَّرِّ أطلق على ثاني أيام العيد، أي: الحادي عشر من شهر ذي الحجة.

ماذا يفعل الحاج في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، وما هي أسرار "يوم النفر الثاني"؟ 

أرشيف خطب الجمعة متاح الآن للقراءة

أرشيف خطب الجمعة متاح الآن للقراءة

أرشيف خطب الجمعة