يتعرض الفكر العقدي لشبهات تثيرها العقلية
الملحدة القاصرة؛ حيث يتوهمون تعارضًا بين عذاب الآخرة أو مصائب الدنيا وبين صفة
الرحمة المطلقة، والرد على هذا التهافت يتجلى في مسارات عقلية وحِكمية منها:
- تكامل صفة الرحمة مع صفة العدل الإلهي
إن طلاقة صفة الرحمة لا تعني إهدار
موجباتها أو إلغاء كمال صفة العدل، والقول بأن الرحمة المطلقة تقتضي ألا يذوق أحد
العذاب هو قول متهافت؛ إذ كيف تقتضي الرحمة معاملة رجل كفر بآيات الله، وصد عن
دينه القويم، وأمضى حياته في محاربة الحق، وإضلال الخلق، وتحطيم الفطرة نكاية في
الإنسانية وسعيًا وراء مأربه الشيطاني، معاملته كمعاملة الضحايا؟ إن إدخال هذا
المجرم جهنم هو عين الرحمة بالضحايا، وهو مقتضى العدل الإلهي الذي يعامل كل إنسان
بحسب عمله في الدنيا، فموجب العدل والرحمة معًا أن يكون سبحانه رحمن الدنيا تشمل
رحمته المادية جميع الخلق، ورحيم الآخرة يختص برحمته العباد الصالحين [راجع: محمد متولي الشعراوي، أسماء الله الحسنى، ص ٥٥].
- سر وجود البلايا والشر العرضي المتضمن للخير
بالذات
قد
يشكل على العقل وجود المحن والأمراض مع كونه تعالى أرحم الراحمين القادر على
إماطتها.
إن الجواب الشافي عن إشكالية وجود
المحن والأمراض مع كمال الرحمة الإلهية يكمن في نسبية الشر؛ فالطفل الصغير ترق له
أمه فتمنعه من ألم مبضع الطبيب، بينما يحمله أبوه العاقل عليه قهرًا، والجاهل يظن
الأم رحيمة والأب قاسيًا، بينما يعلم العاقل أن إيلام الأب هو عين الرحمة والشفقة،
لأن الألم القليل إذا كان سببًا للشفاء والخير الكثير لم يكن شرًا بل هو خير محض.
وعليه، فإنه ليس في الوجود شر مطلق،
بل هو شر عرضي في ضمنه خير بالذات، لو رُفع لبطل الخير الذي في ضمنه ولحصل شر
أعظم؛ فقطع اليد المتآكلة شر ظاهري لكن في ضمنه سلامة البدن، فالسلامة مطلوبة
لذاتها أولًا وهي مقتضى الرحمة، والقطع مطلوب لغيره ثانيًا، ولهذا قال سبحانه في
الحديث القدسي: «إنَّ رَحمَتي سَبَقَت غَضَبي» [البخاري: الصحيح،٧٥٥٤]؛ فالخير مقضيٌ
بالذات والشر مقضيٌ بالعرض وكل بقدر [راجع:
أبو حامد الغزالي، المقصد الأسنى، ص ٦٤-٦٥].
- اتهام العقل البشري القاصر واستبصار سر القدر
إذا خطر للمرء شر لا يرى تحته خيرًا،
أو توهم إمكان تحصيل الخير دون هذا الشر، فالواجب عليه شرعًا وعقلًا أن يتهم عقله
القاصر؛ فالعقول تقصر عن إدراك الغايات، كالصبي يرى الحجامة شرًا محضًا، أو الغبي
يرى القصاص شرًا محضًا لنظره لشخص المقتول، وذهوله عن الخير العام الحاصل بحياة
المجتمع كافة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمۡ فِی ٱلۡقِصَاصِ حَیَوٰةࣱ﴾ [البقرة: ١٧٩]، كما أن إدراك الإمكان والاستحالة ليس بديهيًا في كل المسائل بل
يحتاج لنظر دقيق يقصر عنه الأكثرون، وتحت هذا الغطاء سر القدر الذي
منع الشرع من إفشائه لحكمة تعبدية [راجع:
أبو حامد الغزالي، المقصد الأسنى، ص ٦٥-٦٦].
- التأديب والتكريم ومفهوم سعة الرحمة
إن
مفهوم سعة الرحمة يتسع ليتكامل فيه التأديب مع التكريم؛ ففي الهدي النبوي الشريف «إنَّ
للَّهِ مِئةَ رَحمةٍ أنزَلَ منها رَحمةً واحِدةً بينَ الجِنِّ والإنسِ والبَهائِمِ
والهَوامِّ، فبِها يَتَعاطَفونَ، وبها يَتَراحَمونَ، وبها تَعطِفُ الوحشُ على
ولَدِها، وأخَّرَ اللهُ تِسعًا وتِسعينَ رَحمةً، يَرحَمُ بها عِبادَه يَومَ
القيامةِ» [البخاري: الصحيح، ٦٤٦٩].
ويقتضي اسم الله الرحمن سوق
العذاب في الدنيا من باب التأديب والتذكير؛ وذلك ليرجع الشاردون، ويرتد الحائرون،
كما جاء في قول الله - تعالى: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمۡ
ذُو رَحۡمَةࣲ وَٰسِعَةࣲ وَلَا یُرَدُّ بَأۡسُهُۥ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِینَ﴾ [الأنعام: ١٤٧]، أي: فإن كذبوك وزعموا أن الله واسع الرحمة،
وأنه لا يؤاخذ بالبغي ويخلف الوعيد جودًا وكرمًا، فقل لهم: ربكم ذو رحمة واسعة لأهل
طاعته، ولا يرد بأسه مع سعة رحمته عن القوم المجرمين، فلا تغتر برجاء رحمته عن خوف
نقمته [الكشاف للزمخشري].
بينما اسم
الرحيم يقتضي التشريف والتكريم في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا
يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].