إن الأمة تؤثر قائدها على أفرادها؛ لأنه يقع منها موقع الرأس من
الجسد أو القلب من الأعضاء، فإذا أصيب عضو وبقي القلب سليمًا فلا خطر يهدد الحياة،
أما إذا أصيب القلب، فإن الخطر يعمها ولو سلمت سائر الأعضاء، وتظل حدة الخطر قائمة
إذا افتقدت الأمة قائدها حتى يخلفه الرجل الثاني، فيواصل الركب مسيرته؛ لذلك فإن الأمة
تفتدي رائدها وتضحي في سبيله؛ لأنها تدرك ببصيرتها أنه قوام حياتها، فهي تكفل له وسائل
الراحة؛ لأنها تعلم أن ما يقدمه لها يفوق ما تمنحه إياه مهما بلغ، فهو الذي يضطلع بمسؤولية
أعضائها جميعًا، وما أعظمها من مسؤولية لا يستطيع حملها أحد منهم، وهي تعلم أن سعيها
وجهدها في سبيل تيسير مهمته إنما هو كسب يعود عليها، ومنجاة تنعم بها في نهاية المطاف،
وأن في تقدمه تقدمها ونجاحها في تحقيق أهدافها.
ومع ذلك كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يأبى أن يخص نفسه بنصيب
الفرد من جماعة المسلمين المحاربين تحت رايته، مع علمه بأنه لو فعل ذلك لما تجاوز حقه؛
لأن السلطة بقدر المسؤولية، ولأن العبء الأكبر يقع على عاتقه. فهو المسؤول الأول عن
جنوده، ومن ثم فله أن يستخدم من وسائل الراحة ما يعينه على أداء مهمته الكبرى في سبيل
صالح الأمة، وهو يعلم أنه لو فعل ذلك لكان محل رضا المسلمين أنفسهم، واستجابةً لحبهم
وحرصهم عليه.
بيد أن القائد الأعظم لا يقف عند هذه الاعتبارات، برغم سلامتها،
وإنما يؤثر اعتبارًا آخر هو أهم وأخطر منها جميعًا، وإن كان يجشّمه مزيدًا من العناء
الذي قد يبلغ حد التضحية؛ ذلك هو ضرب المثل الصالح للجماعة ليحتذي به أفرادها، فتتوافر
في كل منهم بعض مقومات القيادة المؤمنة الناجحة، وصفاتها الرفيعة المتحررة من الأنانية
والسلبية، والمتطلعة إلى تحمل المزيد من المسؤوليات، وهذا هو السبيل القويم لإنشاء
قاعدة واسعة من الأفراد الصالحين للقيادة، تتشكل منهم صفوف من القادة الأكفاء الذين
يستطيعون مواصلة رسالة القائد الأول، وقيادة السفينة إلى مرفأ الأمان مهما اشتدت العواصف
واضطربت الأمواج.
وهذا السلوك الذي سنّه الرسول - صلى الله عليه وسلم - يمثل نموذجًا
لتصرف القائد العظيم فيما يعرض له من مواقف وما يواجهه من ظروف شاقة، فقد كان أمامه
أن يسلك أحد طريقين:
- أولهما: أن ينفرد ببعير
يمتطيه طوال الوقت، ولا تثريب عليه في ذلك، بل هو حقه الذي لا يماري فيه أحد.
- وثانيهما: أن يشترك في امتطاء
بعير واحد مع بعض أصحابه، شأنه في ذلك شأن سائر المسلمين.
ولقد اختار الرسول - صلى الله عليه وسلم - الطريق الثاني، وهو الطريق
الأصعب؛ لأن ما يترتب عليه من فوائد للإسلام والمسلمين أكبر مما يترتب على سلوك الطريق
الأول. ولا ريب أن مغزى هذا الاختيار هو حث المسلم على إيثار أخيه المسلم فيما يخصه
الله به من نعم، ومقاومة رغبات النفس في الاستمتاع وحدها بطيبات الحياة، وتقديم الصالح
العام على الصالح الخاص، والمشاركة في السراء والضراء؛ وهي صفات مثالية توحد شمل الأمة،
وتجعل أعضاءها جميعًا كأنما يخفق بين أضلاعهم قلب واحد، أو كأنهم -كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ
بَعْضًا» [مسلم، الصحيح (٢٥٨٥) من حديث أبي موسى]، وفي ذلك نزلت الآية الكريمة: ﴿وَیُؤۡثِرُونَ
عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ﴾ [الحشر: ٩].
وقد وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المؤمن الحق بقوله: «لَا
يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» [رواه
البخاري برقم ١٣ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه]، وكان - صلى الله عليه وسلم - يحث
أصحابه على الإيثار مما جعلهم قومًا يقلون عند المغنم، ويكثرون عند المغرم