Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

النموذج النبوي للقيادة بالقدوة

الكاتب

هيئة التحرير

النموذج النبوي للقيادة بالقدوة

ضرب سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - أروع الأمثلة في القيادة العملية القائمة على القدوة، فكان أول من يطبق ما يدعو إليه، ولم تكن قيادته مجرد توجيهات تُلقى من بعيد، بل كانت مشاركةً حقيقيةً في ميادين العمل، وصبرًا على الشدائد، وإيثارًا في أوقات المحن؛ فأسس بذلك مجتمعًا عظيمًا قام على قيم الإيمان والتضحية والمسؤولية.

النبي صلى الله عليه وسلم القائد والمربي الميداني

لقد أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - مجتمع دار الهجرة على أسس راسخة من المبادئ والقيم، وربّى أصحابه بالقول والعمل معًا، فكان سلوكه العملي ترجمةً صادقةً لتعاليم الإسلام، حتى ترسخت هذه المبادئ في نفوسهم، فحملوها إلى الناس من بعده، وقدموا نموذجًا في السلوك الديني والاجتماعي والإداري القائم على الهداية والعدل.

علّمهم الصبر، وكان أول الصابرين، وعلّمهم التواضع والتسامح والعفو، وكان أسبق الناس إلى التحلي بهذه الأخلاق، كما ربّاهم على الصدق والأمانة والمروءة والإخلاص والكرم، فكان - صلى الله عليه وسلم - المثال الأعلى في كل هذه الفضائل.

وكان - صلى الله عليه وسلم - يحث أصحابه على الشجاعة والثبات والتضحية في سبيل الله، فكان يتقدمهم في مواطن الخطر، ويواجه الشدائد بثبات وإيمان، ليعلم الأمة أن القائد الحق لا يطلب من الناس ما لا يفعله، بل يكون في مقدمتهم عند البذل والتضحية، فكانت حياته - صلى الله عليه وسلم - نموذجًا خالدًا في أن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه من حق وخير، وأن العيش الكريم لا يكون مع الذل والهوان، وإنما بالثبات على المبادئ والقيم التي يؤمن بها الإنسان

التوازن بين العمل للدنيا والآخرة

وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يؤكد بالقول والسلوك أن دعوة الإسلام تجعل الدنيا والآخرة طريقًا متكاملًا؛ فالعمل للآخرة لا يعني الانقطاع عن الدنيا، والعمل للدنيا لا يعني الانصراف عن العبادات، قال الله تعالى: ﴿وَٱبۡتَغِ فِیمَاۤ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡءَاخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِیبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡیَاۖ﴾ [القصص: ٧٧].

عن أَنَس بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ» [أحمد، المسند، (١٢٩٨١)].

وليس أروع من هذا المثل في تأكيد قيمة العمل؛ فإن فسيلة النخل لا تثمر إلا بعد سنوات، ومع ذلك يُوجَّه المؤمن إلى غرسها ولو كانت القيامة على وشك الوقوع، إيمانًا بقيمة العمل وإتقانه، وكان نهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في مختلف المواقف مؤكدًا لقيمة العمل وكرامته، وأنه من أبواب العبادة؛ فقد كان يعمل في الدنيا وهو يبتغي الآخرة، ويسعى في عمارتها، ويشارك أصحابه في العمل، مقاسمًا إياهم أعباءه.

ولما سُئلت السيدة عائشة - رضي الله عنها - عن عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: أَنَّهَا سُئِلَتْ مَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ: " كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ، قَالَتْ: وَكَانَ يَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ " [أحمد ، المسند برقم (٢٦٢٣٩].

التواضع ومشاركة الأعباء

وما أكثر ما يرويه التاريخ عن سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - القائد العظيم في تنظيم مجتمع دار الهجرة على أساس البدء بنفسه في تحمّل التكاليف والمغارم، والانتهاء بها في المغانم، مما يجسد الصورة النموذجية للقدوة، فقد كان يدعو أصحابه في المدينة إلى التعاون، ويغرس في نفوسهم قيمته من خلال مشاركته العملية معهم في شؤون الحياة.

ومن ذلك اشتراكه معهم في بناء المسجد بالمدينة عقب نزولهم بها، كما كان يعمل بيديه في بناء مسكنه بالقرب من البقعة التي اختارها مكانًا للمسجد، وقد اتخذ دار أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري مقامًا له أثناء البناء، وكان المسلمون من المهاجرين والأنصار يشاركونه في بناء المسجد والمسكن.

وفي بعض أسفاره كان أصحابه يتهيؤون لإعداد الطعام، ويتقاسمون العمل فيما بينهم، فقال - صلى الله عليه وسلم: «وَعَلَيَّ جَمْعُ الْحَطَبِ» فقال له الصحابة: "يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَكْفِيكَ هَذَا" فرفض النبي أن يعفي نفسه من العمل بيديه مع أصحابه رغم كثرة مسئولياته، ورد عليهم قائلًا: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ تَكْفُونَنِي وَلَكِنَّنِي أَكْرَهُ أَنْ أَتَمَيَّزَ عَلَيْكُمْ» [محب الدين الطبري،  خلاصة سير سيد البشر صـ ٨٧].

القائد في ساحة المعركة

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشترك مع المسلمين في الغزوات منذ أول معركة خاضها بعد الهجرة، ورغم ما تحمّله من أعباء تنظيم مجتمع المدينة وقيادته، فقد غزا بنفسه سبعًا وعشرين غزوة، كان فيها في مقدمة الصفوف شجاعةً وإقدامًا، مساويًا بينه وبين إخوانه من المهاجرين والأنصار في تحمّل الشدائد والمشاق، وكان يكره أن يتميز عليهم، بل كان - صلى الله عليه وسلم - أشدهم احتمالًا وصبرًا.

ومن أروع صور هذه المساواة ما ظهر في غزوة بدر؛ فقد خرج بأصحابه من المدينة حين لم يكن من مواجهة قريش بدّ، وكانت مع المسلمين في مسيرتهم رايتان سوداوان، وكانت إبلهم سبعين بعيرًا، فجعلوا يعتقبونها؛ أي: يركب الواحد البعير مدةً ثم ينزل ليعقبه الآخر فيركبه، فكان الاثنان والثلاثة والأربعة يعتقبون بعيرًا واحدًا.

وفي هذه المسيرة ضرب الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أروع مثال في القدوة الصالحة؛ إذ ساوى نفسه بأصحابه، وجعل نصيبه كنصيبهم، فكان هو وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرًا، وكان أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرًا.

التضحية والإيثار في القيادة

إن الأمة تؤثر قائدها على أفرادها؛ لأنه يقع منها موقع الرأس من الجسد أو القلب من الأعضاء، فإذا أصيب عضو وبقي القلب سليمًا فلا خطر يهدد الحياة، أما إذا أصيب القلب، فإن الخطر يعمها ولو سلمت سائر الأعضاء، وتظل حدة الخطر قائمة إذا افتقدت الأمة قائدها حتى يخلفه الرجل الثاني، فيواصل الركب مسيرته؛ لذلك فإن الأمة تفتدي رائدها وتضحي في سبيله؛ لأنها تدرك ببصيرتها أنه قوام حياتها، فهي تكفل له وسائل الراحة؛ لأنها تعلم أن ما يقدمه لها يفوق ما تمنحه إياه مهما بلغ، فهو الذي يضطلع بمسؤولية أعضائها جميعًا، وما أعظمها من مسؤولية لا يستطيع حملها أحد منهم، وهي تعلم أن سعيها وجهدها في سبيل تيسير مهمته إنما هو كسب يعود عليها، ومنجاة تنعم بها في نهاية المطاف، وأن في تقدمه تقدمها ونجاحها في تحقيق أهدافها.

ومع ذلك كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يأبى أن يخص نفسه بنصيب الفرد من جماعة المسلمين المحاربين تحت رايته، مع علمه بأنه لو فعل ذلك لما تجاوز حقه؛ لأن السلطة بقدر المسؤولية، ولأن العبء الأكبر يقع على عاتقه. فهو المسؤول الأول عن جنوده، ومن ثم فله أن يستخدم من وسائل الراحة ما يعينه على أداء مهمته الكبرى في سبيل صالح الأمة، وهو يعلم أنه لو فعل ذلك لكان محل رضا المسلمين أنفسهم، واستجابةً لحبهم وحرصهم عليه.

بيد أن القائد الأعظم لا يقف عند هذه الاعتبارات، برغم سلامتها، وإنما يؤثر اعتبارًا آخر هو أهم وأخطر منها جميعًا، وإن كان يجشّمه مزيدًا من العناء الذي قد يبلغ حد التضحية؛ ذلك هو ضرب المثل الصالح للجماعة ليحتذي به أفرادها، فتتوافر في كل منهم بعض مقومات القيادة المؤمنة الناجحة، وصفاتها الرفيعة المتحررة من الأنانية والسلبية، والمتطلعة إلى تحمل المزيد من المسؤوليات، وهذا هو السبيل القويم لإنشاء قاعدة واسعة من الأفراد الصالحين للقيادة، تتشكل منهم صفوف من القادة الأكفاء الذين يستطيعون مواصلة رسالة القائد الأول، وقيادة السفينة إلى مرفأ الأمان مهما اشتدت العواصف واضطربت الأمواج.

وهذا السلوك الذي سنّه الرسول - صلى الله عليه وسلم - يمثل نموذجًا لتصرف القائد العظيم فيما يعرض له من مواقف وما يواجهه من ظروف شاقة، فقد كان أمامه أن يسلك أحد طريقين:

  • أولهما: أن ينفرد ببعير يمتطيه طوال الوقت، ولا تثريب عليه في ذلك، بل هو حقه الذي لا يماري فيه أحد.
  • وثانيهما: أن يشترك في امتطاء بعير واحد مع بعض أصحابه، شأنه في ذلك شأن سائر المسلمين.

ولقد اختار الرسول - صلى الله عليه وسلم - الطريق الثاني، وهو الطريق الأصعب؛ لأن ما يترتب عليه من فوائد للإسلام والمسلمين أكبر مما يترتب على سلوك الطريق الأول. ولا ريب أن مغزى هذا الاختيار هو حث المسلم على إيثار أخيه المسلم فيما يخصه الله به من نعم، ومقاومة رغبات النفس في الاستمتاع وحدها بطيبات الحياة، وتقديم الصالح العام على الصالح الخاص، والمشاركة في السراء والضراء؛ وهي صفات مثالية توحد شمل الأمة، وتجعل أعضاءها جميعًا كأنما يخفق بين أضلاعهم قلب واحد، أو كأنهم -كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» [مسلم، الصحيح (٢٥٨٥) من حديث أبي موسى]، وفي ذلك نزلت الآية الكريمة: ﴿وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ﴾ [الحشر: ٩].

وقد وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المؤمن الحق بقوله: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» [رواه البخاري برقم ١٣ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه]، وكان - صلى الله عليه وسلم - يحث أصحابه على الإيثار مما جعلهم قومًا يقلون عند المغنم، ويكثرون عند المغرم

غرس الفضائل وبناء الدولة

وكان الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - يغرس هذه الفضائل في نفوس المسلمين من خلال القدوة الحسنة؛ فكان يبدأ بنفسه في طرح الأنانية والأثرة، وقد برّأه الله منهما، واختار سبيل البذل والتضحية، وقد هداه الله إليهما، ومن الواضح أن أصحابه وتابعيه، إذ يرون هذا السلوك الحميد، تنطبع آثاره في نفوسهم، فيتأثرون به ويقتدون، وبذلك يتحقق الهدف الذي اتجه إليه القائد الأعظم.

وإذا لاحظنا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ضرب هذا المثال لرجاله في مستهل مسيرته إلى معترك النضال، أدركنا مدى نفاذ بصيرته القيادية؛ إذ سنَّ قاعدةً للعلاقة بين جنوده بعضهم مع بعض، وأرسى لهم تقليدًا من التقاليد الإسلامية قبل أن يخوضوا غمار الحرب، فجاءت هذه التعاليم في وقتها؛ حتى يمكن الانتفاع بها عند تنفيذ الغاية التي اجتمعت عليها الأمة.

وهكذا كانت القدوة الصالحة متمثلة في الرسول العظيم - صلى الله عليه وسلم - من أكبر الأسس التي بُني عليها مجتمع المهاجرين والأنصار، وقامت بها أول دولة إسلامية تهدي إلى الحق، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر،  وصدق الله العظيم: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِی رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ﴾ [الأحزاب: ٢١].

الخلاصة

تمثل القيادة النبوية نموذجًا فريدًا يجسد التواضع ومشاركة الجماهير في تحمل المعاناة والبناء؛ فقد اختار النبي - صلى الله عليه وسلم - الطريق الأصعب، وآثر أصحابه على نفسه، فأرسى بذلك قواعد القيادة المخلصة التي توحد الصفوف وتبني الأوطان، مؤكدًا أن القائد العظيم هو من يسبق جنوده إلى التضحية، ولا يستأثر دونهم بالراحة.

موضوعات ذات صلة

هجرة النبي ﷺ التي لم تكن لتنجح لولا طاقة شبابية لا تعرف المستحيل، وقلوبًا مؤمنة هانت عليها الدنيا كلها في سبيل الله

الهجرة النبوية كانت نقطة انطلاق لـتجربة اجتماعية فريدة في التعايش السلميّ بين مختلف الجماعات الدينيّة والعرقيّة

الهجرة النبوية لها أبعاد شاملة تمس كل جوانب الحياة، ومنها البعد الاقتصادي

الهجرة النبوية كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان: عقله، وقلبه، وسلوكه، ومكانته في المجتمع

نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل، سلوك المحب للطاعة