استندت الجماعات المتطرفة - قديمًا وحديثًا - إلى مجموعة من المنطلقات
الفكرية التي شكلت البنية التحتية لعقيدتهم في التكفير والخروج على المجتمعات
والدول، وقد رصد فضيلة الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري - وزير الأوقاف المصري، عضو
المجلس القومي لمكافحة الإرهاب والتطرف - سبع منطلقات رئيسة تقوم عليها هذه
الجماعات.
يذكر فضيلته - حفظه الله - في مشروع (مقولات الفرق (الذي
أشرف عليه وناقشه فصلًا فصلًا، أن هذه المنطلقات هي: الجاهلية،
والحاكمية، والاستعلاء بالإيمان، والولاء والبراء، والفرقة الناجية، وحتمية
الصدام، والخلافة والتمكين [راجع: الدكتور أسامة الأزهري،
"الفحص الموضوعي لمقولات الفرق وأثره في نقد الفكر المتطرف"، الأزهر
الشريف، ٢٠١٨م].
هذه المنطلقات ليست وليدة العصر الحديث؛ بل هي امتداد لموجات متتالية
من الفكر المتطرف ظهرت عبر التاريخ الإسلامي، فأول موجة من هذا الفكر كانت في
عصر الخوارج الذين كفروا سيدنا الإمام علي بن أبي طالب - رضي
الله عنه - وكفروا عددًا من الصحابة، وحملوا عليهم السلاح، وقد اعتمد الخوارج على
نفس الآيات الكريمة التي يعتمد عليها المتطرفون اليوم، لكنهم أساءوا فهمها [انظر:
ابن حجر العسقلاني، "فتح الباري"، دار المعرفة، بيروت، ١٣٧٩هـ، (١٢/ ٢٨٣)].
يوضح الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري أن الخطورة الحقيقية لهذه المنطلقات لا
تكمن في جدة ظهورها، بل في أنها تُقدَّم في قوالب شرعية تخدع البسطاء من الناس،
فالجماعات المتطرفة تستدل بآيات من القرآن الكريم وأحاديث من السنة النبوية، لكنها
تقرأها قراءة انتقائية منعزلة عن السياق التاريخي والمقاصد العامة للشريعة، يقول -
حفظه الله - في إحدى محاضراته: "إن مشكلة المتطرفين ليست في نصوص الوحي؛ بل
في منهجية فهمهم لهذه النصوص، فهم يجردون الآية من أسباب نزولها، ومن الأحكام
الأخرى التي تخصصها وتقيدها، ثم يبنون عليها أحكامًا عامة مطلقة".
ومن أبرز هذه المنطلقات المغلوطة:
- منطلق
الجاهلية: وهو زعم
أن المجتمعات الإسلامية المعاصرة تعيش في جاهلية مماثلة للجاهلية التي سبقت
الإسلام، مما يبرر الخروج عليها وقتال أهلها.
- منطلق
الحاكمية: وهو حصر
الحاكمية لله - تعالى - في ظاهر النص، مع إنكار دور العقل والاجتهاد
والمؤسسات الوطنية في تحقيق مقاصد الشريعة.
- منطلق
الولاء والبراء: وهو تحويل
هذه القاعدة الشرعية الأصيلة إلى سلاح لتكفير المخالف وكفره وقطيعة المجتمع.
هذه المنطلقات الثلاثة تشكل العمود
الفقري لفكر الجماعات المتطرفة؛ لأنها تؤدي في النهاية إلى إسقاط صفة الإسلام عن
المجتمع والدولة، ثم تبرير الخروج المسلح عليهما [انظر: الدكتور أسامة الأزهري،
"الوعي الديني ومواجهة التطرف"، سلسلة قضايا إسلامية، الهيئة المصرية
العامة للكتاب، ٢٠٢٠م، ص ٤٥-٥٢].