Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تفكيك منطلقات الإرهاب كيف يحمي الوعي الديني المعتدل سيادة الأوطان

الكاتب

هيئة التحرير

تفكيك منطلقات الإرهاب كيف يحمي الوعي الديني المعتدل سيادة الأوطان

ما هي المنطلقات الفكرية التي تستند إليها الجماعات المتطرفة في تكفير المجتمعات والخروج على الدول؟ كيف يمكن للوعي الديني المعتدل أن يفكك هذه المنطلقات؟ وما الدليل الشرعي على أن حماية مؤسسات الدولة الوطنية واجب ديني؟ وكيف يقرأ الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري هذه القضايا؟

تيارات العنف والتطرف الجذور الفكرية والأصول المنهجية

استندت الجماعات المتطرفة - قديمًا وحديثًا - إلى مجموعة من المنطلقات الفكرية التي شكلت البنية التحتية لعقيدتهم في التكفير والخروج على المجتمعات والدول، وقد رصد فضيلة الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري - وزير الأوقاف المصري، عضو المجلس القومي لمكافحة الإرهاب والتطرف - سبع منطلقات رئيسة تقوم عليها هذه الجماعات.

يذكر فضيلته - حفظه الله - في مشروع (مقولات الفرق (الذي أشرف عليه وناقشه فصلًا فصلًا، أن هذه المنطلقات هي: الجاهلية، والحاكمية، والاستعلاء بالإيمان، والولاء والبراء، والفرقة الناجية، وحتمية الصدام، والخلافة والتمكين [راجع: الدكتور أسامة الأزهري، "الفحص الموضوعي لمقولات الفرق وأثره في نقد الفكر المتطرف"، الأزهر الشريف، ٢٠١٨م].

هذه المنطلقات ليست وليدة العصر الحديث؛ بل هي امتداد لموجات متتالية من الفكر المتطرف ظهرت عبر التاريخ الإسلامي، فأول موجة من هذا الفكر كانت في عصر الخوارج الذين كفروا سيدنا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وكفروا عددًا من الصحابة، وحملوا عليهم السلاح، وقد اعتمد الخوارج على نفس الآيات الكريمة التي يعتمد عليها المتطرفون اليوم، لكنهم أساءوا فهمها [انظر: ابن حجر العسقلاني، "فتح الباري"، دار المعرفة، بيروت، ١٣٧٩هـ، (١٢/ ٢٨٣)].

يوضح الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري أن الخطورة الحقيقية لهذه المنطلقات لا تكمن في جدة ظهورها، بل في أنها تُقدَّم في قوالب شرعية تخدع البسطاء من الناس، فالجماعات المتطرفة تستدل بآيات من القرآن الكريم وأحاديث من السنة النبوية، لكنها تقرأها قراءة انتقائية منعزلة عن السياق التاريخي والمقاصد العامة للشريعة، يقول - حفظه الله - في إحدى محاضراته: "إن مشكلة المتطرفين ليست في نصوص الوحي؛ بل في منهجية فهمهم لهذه النصوص، فهم يجردون الآية من أسباب نزولها، ومن الأحكام الأخرى التي تخصصها وتقيدها، ثم يبنون عليها أحكامًا عامة مطلقة".

ومن أبرز هذه المنطلقات المغلوطة:

  • منطلق الجاهلية: وهو زعم أن المجتمعات الإسلامية المعاصرة تعيش في جاهلية مماثلة للجاهلية التي سبقت الإسلام، مما يبرر الخروج عليها وقتال أهلها.
  • منطلق الحاكمية: وهو حصر الحاكمية لله - تعالى - في ظاهر النص، مع إنكار دور العقل والاجتهاد والمؤسسات الوطنية في تحقيق مقاصد الشريعة.
  • منطلق الولاء والبراء: وهو تحويل هذه القاعدة الشرعية الأصيلة إلى سلاح لتكفير المخالف وكفره وقطيعة المجتمع.

هذه المنطلقات الثلاثة تشكل العمود الفقري لفكر الجماعات المتطرفة؛ لأنها تؤدي في النهاية إلى إسقاط صفة الإسلام عن المجتمع والدولة، ثم تبرير الخروج المسلح عليهما [انظر: الدكتور أسامة الأزهري، "الوعي الديني ومواجهة التطرف"، سلسلة قضايا إسلامية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠٢٠م، ص ٤٥-٥٢].

الوعي الديني المعتدل ومنهج المواجهة العلمية

لا يمكن مواجهة الفكر المتطرف إلا بفكر مماثل في القوة والعلم والرصانة، وهنا يأتي دور الوعي الديني المعتدل، الذي يمثله منهج الأزهر الشريف ومشيخة الطرق الصوفية وعلماء السنة والجماعة عبر العصور.

يُعَرّف الوعي الديني المعتدل بأنه: "إدراك المسلم لحقيقة دينه وفق المنهج الوسطي الذي يراعي النصوص والمقاصد والواقع، ويعرف كيف يوفق بين الثوابت والمتغيرات، دون إفراط ولا تفريط"، وهذا النوع من الوعي هو السلاح الأنجع في تفكيك منطلقات الإرهاب؛ لأنه يضرب الفكر المتطرف في جذوره المنهجية وليس فقط في نتائجه السلوكية.

من أهم سمات الوعي الديني المعتدل:

  • الشمولية: فيقرأ النصوص كلها في موضوع واحد، ولا يقتصر على بعضها دون بعض.
  • مراعاة السياق: فلا يفهم الآية أو الحديث بمعزل عن أسباب ورودهما والمقصد منهما.
  • الموازنة بين النصوص: فلا يقدم نصًا على آخر بدون وجه حق شرعي.
  • الاعتراف بالخلاف الفقهي المعتبر: فلا يكفر من خالفه في الرأي أو الاجتهاد.

يقول - تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةࣰ وَسَطࣰا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَیَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَیۡكُمۡ شَهِیدࣰاۗ﴾ [البقرة: ١٤٣]، والوسطية هنا ليست تهاونًا أو تسامحًا مطلقًا، بل هي عدل وخير وموازنة بين الثوابت والمتغيرات [انظر: تفسير القرطبي، (٢/ ١٥٢)].

وهذا المنهج الوسطي هو الذي ورثه علماء الأزهر عن أئمة السلف من الصحابة والتابعين، وهو الذي يجعل المسلم قادرًا على تمييز الغث من السمين، وفهم الدين فهمًا صحيحًا بعيدًا عن آفات الغلو والتطرف.

حماية الدولة الوطنية واجب شرعي أم ضرورة وقتية؟

من أخطر ما تروج له الجماعات المتطرفة دعوى أن مؤسسات الدولة الوطنية المعاصرة - من جيش وشرطة وقضاء وإدارة - هي (أنظمة طاغوتية) يجب الخروج عليها ومحاربتها، وهذه الدعوى تحتاج إلى تفنيد شرعي رصين يبين أن حماية هذه المؤسسات هي في حقيقتها واجب ديني ووطني في آن واحد.

فحماية الدولة الوطنية في الإسلام ليست مسألة وقتية أو ظرفية؛ بل هي أصل من أصول الشرع، يقول - حفظه الله: "إن الإسلام لم يترك الناس بلا إمام ولا سلطان؛ بل أوجب عليهم نصب إمام يقيم الحدود، ويحسن السيرة، ويحفظ الأمن، ويدير المصالح العامة، وهذا ما يعبر عنه الفقهاء بـ'الإمامة العظمى' أو 'الخلافة'، لكنه في عصرنا الحديث يأخذ شكل الدولة الوطنية التي تحقق المصالح وتدرأ المفاسد".

بل ذهب جمهور الفقهاء إلى أن نصب الإمام واجب شرعي، يستقى وجوبه من نصوص الشرع ومقاصده الكلية، قال الإمام النووي - رحمه الله - في شرح صحيح مسلم: "اعلم أن نصب الإمام واجب بالإجماع، وإنما اختلفوا في وجوبه هل هو على العباد بالسمع، أو يجوز عقلًا؟ فذهب أكثر أصحابنا إلى أنه واجب شرعًا لا عقلًا"، وقد استدلوا على ذلك من قول الحبيب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» [رواه مسلم: (١٨٥١)]، وهذا دليل صريح على وجوب الانضمام إلى سلطان قائم وعدم الخروج عليه.

ونقل ابن حجر العسقلاني عن الإمامين الغزالي والآمدي قولهما: "إن حفظ الدين والنظام، وإقامة الحكم والحدود، وسد الثغور، وحماية البيضة، لا يتم إلا بوجود سلطان عادل يلي ذلك" [ابن حجر العسقلاني، "فتح الباري"، (١٣/ ١١٧)].

إذا ثبت وجوب وجود الدولة والإمام، ثبت تبعًا لذلك وجوب طاعتهما في غير معصية، وحماية مؤسساتهما، والدفاع عنها ضد كل من يحاول زعزعة استقرارها، وهذه القاعدة الأصولية تعطل مقولة الخروج المسلح على الدولة الوطنية، وتجعل من يعتدي على مؤسساتها معتديًا على واجب شرعي لازم.

نماذج من تفنيد الشبهات

يقول الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري في تفنيد شبهة (الجاهلية) التي يروج لها المتطرفون: "إن من يقول إن المجتمع المعاصر جاهلي كالجاهلية الأولى يُسقط صفة الإسلام عن أمة لا تزال تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، وهذا الحكم مكابرة للواقع ومخالف لنص القرآن الذي يقول: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟﴾، فالله - تعالى - يخاطب المجتمع المسلم بالإيمان ولم ينزع عنه هذه الصفة، فكيف يأتي متطرف في القرن الخامس عشر الهجري ليكفر الملايين منهم ويسميهم جاهلية؟!" [محاضرة مسجلة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ٢٠٢١م].

ويقول - حفظه الله - في الرد على من يعادي مؤسسات الدولة العصرية ويدعو إلى إسقاطها: "إن واجب حماية مؤسسات الدولة الوطنية مستفاد من النصوص الكلية في الشريعة التي توجب الاحترام والنظام وحرمة إراقة الدماء، فالجيش والشرطة والقضاء هي درع الوطن وأمنه، ومهاجمتها بزعم الجهاد هو من أكبر الكبائر والموبقات، وما أذن الله - تعالى - فيه إلا إذا تحولت هذه المؤسسات إلى ظلم صارخ لا رادع له، وحينها يكون التغيير بالسياسة لا بالسلاح، وبالحوار لا بالتفجير".

ويكشف الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري منهجًا رائعًا في فك شفرة خطاب الجماعات المتطرفة، قائلًا: "هذه الجماعات تبدأ خطابها بطلاسم شرعية تجذب بها الشباب، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد وإقامة الدين، ثم تنتقل تدريجيًا إلى تكفير المجتمع والحاكم والخروج عليه واستباحة الأموال والأنفس، وعندما تصل إلى هذه المرحلة، يكون الشاب قد تورط تمامًا وصار تحت سيطرتها التامة" [الدكتور أسامة الأزهري، جريدة اليوم السابع الالكترونية، الأربعاء، ٢٤ نوفمبر ٢٠٢١].

من هنا كان وعي الشباب وزيادة مناعتهم الفكرية هو أقصر الطرق لتحصينهم من هذا الخطاب المغرض، ولا يحصل هذا الوعي إلا بالعودة إلى العلماء الأمناء، وفهم النصوص فهمًا متكاملًا منضبطًا.

الدروس المستفادة

  • الجماعات المتطرفة تستند إلى منطلقات فكرية منحرفة، أهمها: الجاهلية، والحاكمية، والولاء والبراء.
  • الوعي الديني المعتدل هو السلاح الفكري الأنجع لتفكيك هذه المنطلقات وتحصين الشباب.
  • حماية مؤسسات الدولة الوطنية ليست قضية وقتية، بل هي واجب شرعي أصيل استند إليه جمهور الفقهاء.
  • خطاب الجماعات المتطرفة يبدأ بقوالب شرعية جذابة ثم ينتهي إلى التكفير والخروج والقتل.
  • العودة إلى العلماء الراسخين والمنهج الأزهري الوسطي هي الضمانة الوحيدة لحماية الأوطان من خطر التطرف.

الأسئلة الشائعة

س: هل كل خروج على الحاكم يعتبر إرهابًا محرمًا؟

ج: جمهور الفقهاء على حرمة الخروج على الحاكم الجائر ما لم تظهر منه كفرًا بواحًا عند الله - تعالى - فيه برهان، أما الخروج المسلح للاحتجاج على أخطاء إدارية أو سياسية فلا يجوز ويُعد من الإفساد في الأرض [النووي، "شرح صحيح مسلم"، (١٢/ ٢٢٩)].

س: كيف نفرق بين الجهاد المشروع وعمليات العنف التي تقوم بها الجماعات المتطرفة؟

ج: الجهاد المشروع له ضوابط صارمة: إذن من السلطان العادل، وعدم قتل النساء والأطفال والشيوخ، وعدم تدمير الممتلكات العامة، والعدو محدد بصفته المحاربة، أما أعمال هذه الجماعات فتخلو من هذه الضوابط كلها [دار الإفتاء المصرية، المركز الإعلامي، أبريل ٢٠٢٥].

س: ما دور الأسرة والمدرسة في بناء الوعي الديني المعتدل؟

ج: دور أساسي، فهما النواة الأولى لتربية النشء على حب الوطن واحترام مؤسساته، وفهم الدين فهمًا صحيحًا وسطيًا بعيدًا عن التشدد والغلو، وتعزيز ثقافة الحوار وقبول الآخر [الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، المرجع السابق، ص ١١٢].

الخلاصة

إن تفكيك منطلقات الإرهاب لا يتم بوسائل أمنية فقط، بل بفكر ينير العقول ويحررها من أوهام الجاهلية والحاكمية التي نسجتها الجماعات المتطرفة، وقد تبين أن الوعي الديني المعتدل، الذي يمثله منهج الأزهر وعلماء السنة والجماعة، هو الكفيل بحماية سيادة الأوطان، لأنه يجعل حماية مؤسسات الدولة واجبًا شرعيًا لا مفر منه، وختامًا، تظل كلمة الحق التي لا تعوج: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِیتَاۤئِ ذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَیَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡیِۚ یَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].

موضوعات ذات صلة

الإرهاب خروج عن الفطرة وانتهاك لقدسية الحق.

ربط التاريخ الوطني بالمقاصد الشرعية يبني الوعي ويحمي هوية الأجيال.

ذكرى الجمهورية والجلاء تتويجٌ لنضال مصر وترسيخٌ لسيادتها الوطنية المستقلة.

 إن صون الأوطان من أسمى مقاصد الأديان، وإن حراسة ثُغور المجتمع من عبث المتطرفين هي ذروة سنام الأمانة التي حملها الإنسان.

إنّ حراسة الوعي من لوثة الضلال، وتحصين القلوب من غوائل الغلو، هي فريضة الوقت وسبيل النجاة.